|
رسائل عسكرية
نصر وهزيمة
توسع القاعدة الشعبية
"عام الحسم"
لا يكاد يوجد خطأ عسكري أو سياسي إلا وارتكبه الأمريكيون وحلفاؤهم، وشرّ أخطائهم الحالية عجزهم عن الاستفادة من دروس أخطائهم السابقة المتوالية منذ أكثر من ثمانية أعوام. بينما تثبت هجمات طالبان المسلحة في كابول يوم 18/1/2010م أنها تعلمت الكثير من أخطاء سابقة وقعت فيها، وأبرز الدروس التي استخلصتها على ما يبدو ضرورة التركيز على الأهداف العسكرية والرسمية، وتطبيق ما تعهدت به قبل فترة من الزمن بصدد تجنب إصابة المدنيين من السكان قدر المستطاع في ظروف حرب تحرير، إلى جانب مبادئ أخرى وضعتها لنفسها وأعلنتها فيما عُرف بميثاق الشرف.
إلى الأعلى
رسائل عسكرية
بدأ الغزو الأمريكي/ الغربي لأفغانستان يوم 7/10/2001م وكان احتلال كابول يوم 13/11/2001م، وقد يدخل يوم 18/1/2010م كتب التاريخ أنه بداية النهاية لهذا الاحتلال، وقد سبق لطالبان أن نفذت عددا من العمليات في كابول، أكبرها في 2/2009م و10/2009م، ولكن الهجمات الأخيرة التي استهدفت قصر الرئاسة والمصرف المركزي و4 وزارات، سجلت قفزة نوعية، ليس من ناحية الأبعاد العسكرية لها فقط، بل من حيث أبعادها السياسية أيضا، تنظيما وتنفيذا وتوقيتا، إضافة إلى إثبات ما يعنيه التزام مقاتلي طالبان بالقواعد التي تضمنها ما يسمى "ميثاق الشرف" الصادر في 11/2006م بمقدمة وثلاثين بندا في ثلاثة فصول، ساهم تطبيقها إسهاما ملحوظا في تطوير علاقة مقاتلي طالبان بعامة سكان أفغانستان من مختلف الأعراق، وفي مواجهة حملات التشهير السابقة بها وبما اتبعته من أساليب في التعامل مع أعدائها من "الجنود والأسرى والعملاء".
مجرد توقيت هجمات 18/1/2010م يكشف عن نضوج سياسي كانت طالبان في حاجة إليه، ولم يكن سهلا تحقيقه في ظروف الاحتلال الأمريكي-الأطلسي، وهذا ما جعل الهجمات توجه ما يوصف عادة بالرسائل، داخليا ودوليا، ومن ذلك:
1- إلى رئيس دولة الاحتلال الأمريكي أوباما، مع مناسبة مرور عام على استلام منصبه، وقد جعل منه عام "تركيز القتال المكثف في أفغانستان وباكستان" فسقطت بنود "استراتيجيته" الأولى من آذار/ مارس 2009م، وسقطت الآن واقعيا بنود "استراتيجيته" الثانية من كانون أول/ ديسمبر 2009م من قبل أن تقطع شوطا تنفيذيا يستحق الذكر.
2- إلى القادة العسكريين، الأمريكيين والأطلسيين، الذين صرّحوا قبل عمليات كابول بأيام، أن وصول مزيد من القوات إلى افغانستان ساهم في تحسين الأوضاع عسكريا -بمنظور الاحتلال- ويستحقق المزيد مع قدوم مزيد من القوات.
3- إلى القادة السياسيين في الغرب، الذين يعلقون أهمية خاصة على مؤتمرهم الدولي في لندن، فجاءت العمليات الأخيرة قبل أسبوعين من انعقاده لتؤكد أن مستقبل أفغانستان لن يكون من صنع ذلك المؤتمر، وأن أفضل ما يستطيع صنعه هو وضع مخطط للانسحاب وليس لمزيد من القتال.
4- إلى الرئيس الأفغاني المنتخب مؤخرا وفق الإرادة الغربية وبأساليب تزوير مفضوحة علنا، والذي لم يستطع رغم ذلك أن يشكل حكومة جديدة، ففاجأه مسلحو طالبان داخل كابول أثناء أداء ما يسمّى اليمين الدستورية من جانب 14 وزيرا، من أصل 25، بعد عجزه مرتين عن الحصول على مصادقة ما يسمى "المجلس النيابي" الأفغاني على اقتراحاته لتسمية الوزراء الآخرين.
5- إلى كرزاي أيضا ردا عمليا على محاولاته المتكررة لشق صفوف طالبان، بالإعلان فيما يشبه "التوسل" عن الاستعداد للمفاوضات ولمشاركة من يرغب من قادتها في السلطة، وتأكيده أن طالبان جزء من الشعب الأفغاني، وما شابه ذلك من مقولات، مقابل مقولة واحدة من جانب طالبان لم تتبدل منذ سنوات: لا مفاوضات إلا بعد رحيل الاحتلال رحيلا كاملا.
6- إلى الشعب الأفغاني عموما، أنّ ما يقوم به الاحتلال من هجمات عدوانية، وبات العدد الأكبر من ضحاياها من المدنيين، نساء وأطفالا وشيوخا، وليس من المقاتلين، لن يستمر طويلا، فالاحتلال سيرحل مرغما، آجلا أو عاجلا.
إلى الأعلى
نصر وهزيمة
ليس أمرا بسيطا أن يتمكن عشرون مسلحا من طالبان، من الانتشار في وقت واحد في كابول، داخل المنطلقة التي تحتل المرتبة الأولى من حيث "تأمينها" عسكريا، أفغانيا وأمريكيا وأطلسيا، وقد حشرت فيها المباني الحكومية والسفارات -يبدو لعدم وجود أمكنة "آمنة" أخرى- ثم أن ينفذوا ما خططوا لتنفيذه، ثم أن يشتبكوا لعدة ساعات متوالية، على قلة عددهم وعدتهم، مع المئات، وربما الألوف، من الجنود والشرطة فضلا عن المرتزقة المجندين من جانب ما يسمى شركات الأمن الخاصة مثل "بلاك ووتر" المعروفة بجرائمها.
وليس أمرا بسيطا ألا يسقط ضحايا من المدنيين وسط المدينة -إلا اثنين وفق رواية كرزاي- مقابل ما يسقط من المدنيين بالعشرات مع كل هجمة أمريكية أو أطلسية بأحدث الأسلحة الفتاكة "الذكية"، رغم أنها من تدبير أكبر أجهزة التخطيط عددا وتخصصا وامتلاكا للوسائل التقنية والألكترونية.
بل ليس أمرا بسيطا أيضا أن تقع هذه العملية أصلا، فتكشف عن حجم "الاهتراء" الذي أصاب أجهزة المخابرات الأمريكية والأطلسية، لتضيف علامة أخرى على هذا الطريق بعد مقتل "رجالات" المخابرات المركزية الأمريكية في أفغانستان مؤخرا، وقد صدرت عن ديبلوماسيين غربيين في كابول في يوم العملية نفسها شكاوى من أجهزتهم، فقد سبق رصد استيلاء المقاتلين من طالبان على عدد من المركبات العسكرية في كابول، وعلى سيارة إسعاف، وسوى ذلك من المعدات، مما يعطي لأجهزة المخابرات والمسؤولين السياسيين عادة مؤشرات على أنها ستستخدم وشيكا في عمليات هجومية مسلحة، إنما لا يصح أن تقتصر الشكوى على المخابرات وحدها، فالتقديرات العسكرية والسياسية الغربية كانت تتوقع هجوما ما على سفارة من السفارات، فتقرر تحصينها، أو مضاعفة تحصينها، ولم تصل تلك التقديرات إلى توقع عملية بهذا الحجم، ولا أن يكون من بين أهدافها "قصر الرئاسة" أو "وزارة الخارجية" التي تعتبر -بسبب كثرة تردد المسؤولين الغربيين عليها- أكثر الأبنية تحصينا في أفغانستان تحت الاحتلال.
لم يكن يوم 18/1/2010م شاهدا آخر على تنامي قدرات طالبان تخطيطا وتنفيذا فقط، بل كان شاهدا آخر أيضا على "صغار" قوة الاحتلال المدججة بالسلاح والتقنيات والخبرات والأجهزة، رغم كل عجرفة أمريكية وأطلسية، ورغم ما تمارسه من تقتيل وتدمير، لا يمكن أن يعوضا عن حقيقة "المكانة العسكرية، لأكبر دولة عسكريا وأكبر حلف عسكريا على وجه الأرض وعبر التاريخ.
إلى الأعلى
توسع القاعدة الشعبية
عند احتلال العراق انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الغرب عموما أوهام تستدعي الاستغراب حقا من "طريقة التفكير" الغربية، وأشهرها ما كان يرمز إليه القول إن شعب العراق سيستقبل جنود الاحتلال بالورود، بل اصطُنعت لذلك في بداية حرب الاحتلال مشاهد مصورة، اعتمد فيها على "مؤسسات متخصصة" ونشرتها محطات التلفاز الغربية، واضمحل مفعولها سريعا كما تشهد المظاهرات "المليونية" في الغرب آنذاك، وشبيه ذلك من الأوهام رافق حرب احتلال أفغانستان أيضا، وكان من "أسخفها" تفكيرا وتنفيذا -رغم بشاعة وجهها المأساوي- أن تلقي الطائرات الأمريكية الأطعمة المعلبة مع القذائف القاتلة.
وقيل الكثير فيما عدا ذلك حول مساعدة الشعب الأفغاني، وإحلال الديمقراطية، وتحرير المرأة، والمشاريع التنميوية، وكان في الإمكان تنفيذ ذلك أو بعضه في السنوات الأولى للغزو، قبل أن تستعيد طالبان قوتها مجددا، ولكن حصيلة 8 سنوات من الاحتلال كانت قتل مئات الألوف وتشريد الملايين وفضائح جوانتامو وباجرام وسواهما، إضافة إلى انتشار الفساد الحكومي (الكلمة الأكثر استخداما من جانب المسؤولين السياسيين والإعلاميين الغربيين أثناء الانتخابات الرئاسية الافغانية الأخيرة)، وانتشار الفساد عبر ما تشكل من مؤسسات للإغاثة (مثال هو شاهد ليس الأول من نوعه: أثناء هجمات كابول كان الجدل محتدا بين الرئيسة الألمانية لرابطة كاتاخِل والمندوب الحكومي المسؤول عن إدارة توزيع مواد الإغاثة، حول المسؤول عن اختفاء (!) زهاء نصف ما جُمع من تبرعات مالية لهذا الغرض).. هذا علاوة على سجال لا ينقطع بين كرزاي وأعوانه (في محاولة لتحسين سمعته المتدهورة) وبين المسؤولين العسكريين الأمريكيين والأطلسيين، بشأن ما لا ينقطع من مسلسل قتل المدنيين مع كل غارة جوية عدوانية.
إن ازدياد قوة طالبان عاما بعد عام -وهو العنوان الأول في مختلف اللقاءات الأطلسية منذ عام 2004م- يعني أول ما يعنيه، عجز الاحتلال أن يجد لنفسه ولأعوانه ولمخططاته ولعملياته أي قاعدة شعبية، مقابل اتساع نطاق القاعدة الشعبية التي اعتمدت طالبان عليها، وكان يقال إنها تقتصر على قبائل الباشتون، وأصبحت في هذه الأثناء شاملة لسواهم، وممتدة في مختلف الولايات الأفغانية دون استثناء، بل لا يمكن تصوّر التخطيط والتنفيذ لعملية الهجمات الأخيرة في كابول، دون الاعتماد على تأييد شعبي داخل المدينة، بعد أن كان يقال إن الرئيس الأفغاني هو "رئيس مجلس بلديتها" في إشارة إلى أنه "يسيطر" عليها وإن عجز عن السيطرة على سواها!..
إلى الأعلى
"عام الحسم"
كان الأولى بكرزاي التزام الصمت بعد الهجمات الأخيرة، إنما آثر أن يضيف خطأ جسيما آخر وهو يصرح بعد ساعات من القتال في الشوارع وداخل الأبنية، أنه أمكن السيطرة على المدينة، وقّتل المسلحون "الانتحاريون"، وإنه يضمن أمن سكان كابول.
ولم تكن الهجمات بهدف "السيطرة" على المدينة قطعا.. فلم يكن منتظرا من جانب طالبان أن يبقى مسلحوها في المدينة أصلا، ولئن صح قتل 10 منهم حسب مصادر "كرزاي" فيعني ذلك سلامة 10 آخرين، ويبدو أن من قتل بالفعل، كان قادما إلى كابول بنية الاستشهاد فيها.
وكان الأولى بالمبعوث الامريكي "العريق" هولبروك، أن يلتزم الصمت أيضا، إنما آثر أن يضيف خطأ جسيما آخر إلى أخطاء الاحتلال وهو يصرح من الهند بأن هذه "عمليات يائسة" وأن من ينفذها قلة من المسلحين يأتون من المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان. وهو لا يكشف بذلك فقط عن التشبث بالرؤية العسكرية الأمريكية والأطلسية (والمفروض أن دوره هو دور سياسي ديبلوماسي) بالعزم على مضاعفة الهجمات الجوية بطائرات دون طيار لاغتيال من يمكن اغتياله من قادة المقاومة (وكأن هذا حق مطلق) وقتل المزيد من المدنيين بهذه الذريعة (وكأن هذا خطأ عسكري مقبول) على أرض باكستان المجاورة.
العمليات اليائسة هي تلك الغارات الأمريكية والأطلسية دون ريب، بعد أن بلغ حجم النفقات المالية الأمريكية وحدها على حربي العراق وأفغانستان أكثر من بليون (ألف مليار) دولار، ثلثها من نصيب القتل والتدمير والتشريد في أفغانستان، وبعد أن خصص في العام الحالي أكثر من 72 مليارا لأفغانستان (و64 مليارا للعراق) ويريد أوباما تخصيص (33) مليارا لأفغانستان الآن لتمويل إرسال مزيد من القوات.. وهي أرقام تتحدث عن نفسها، إلى جانب الحديث عن تسجيل أرقام قياسية (رسمية) في عدد القتلى من جنود الاحتلال، من الأمريكيين والأطلسيين الآخرين، مما بلغ عام 2009م زهاء ضعف الأرقام القياسية التي سجلها عام 2008م.
وكانت بداية عام 2008م قد شهدت الإعلان أنه سيكون "عام الحسم".. وكانت بداية عام 2009م قد شهدت الإعلان أنه سيكون "عام الحسم".. وانتهى واقعيا بإعلان أوباما أن عام 2010م سيكون هو "عام الحسم".. ويبدو أنه سيكون فعلا عام الحسم، على غرار عام الحسم الذي أنهى الاحتلال السوفييتي لأفغانستان سنة 1985م، ولم يكن أحد يقبل آنذاك تنبؤات من تنبأ بأنه سجل بذلك بداية النهاية للامبراطورية السوفييتية الشيوعية، ولا يزال يوجد من لا يريد أن يقبل الآن التنبؤات ببداية النهاية للامبراطورية الأمريكية والأطلسية.
|