 في الوقت الذي يتحدث فيه الشرق والغرب والشمال والجنوب والعرب والعجم عن الأوضاع في اليمن، لا يُسمح لأهل اليمن داخل اليمن بالحديث عن أوضاعه وأوضاعهم، وعن مشكلاته ورؤاهم لحلول لها، وعن حاضره الدامي ومستقبله المرجو، إلا تحت طائلة التضييق والملاحقة والاعتقالات والاختطاف.
المسؤولون السياسيون في اليمن يستقبلون الوفود الأجنبية فيستمعون إليها، ويسمعون منها ما يرضيهم ولا يرضيهم، وما يتوافق مع رغباتهم وما يخالفها، وينصاعون جزئيا أو كليا لإملاءات أجنبية، أو يبحثون عن السبل المناسبة للتوافق معها.. ويسافرون بأنفسهم إلى عواصم أجنبية فيسمعون ويقولون، ويتحدثون وراء أبواب مغلقة ويصرحون بما يرونه مناسبا لوسائل الإعلام.. أما في داخل اليمن، فلا يريدون الاستماع إلا إلى من يقول لهم ما يرغبون في سماعه، وما يرونه هم من دون سواهم من أبناء البلد الواحد والحاضر الواحد والمصير الواحد.. ففيما عدا ذلك خطر على الأمن بمنظورهم، ولا يرون خطرا في تحرك المخابرات الأجنبية رسمية داخل حدود بلادهم، ويعتبرونه تصرفا لا يخدم المصلحة الوطنية حسب رؤيتهم، ولا يرون انتهاكا للمصلحة الوطنية في تمكين أعداء بلادهم من التحرك في الأجواء لاغتيال من يريدون على أرض بلادهم.
• • •
اليمن في خطر كبير، خطر التمزق داخليا والهوان دوليا، وخطر التحوّل إلى ساحة للاقتتال بين الأهل وإلى ساحة من ساحات اللعبة الدولية في وقت واحد.. والخطر الكبير يتطلب جمع الصفوف لا تمزيقها، والحوار المتواصل داخليا لا سدّ الابواب أمام كل رأي مخالف لرأي السلطة، وتعبئة الجهود الوطنية، لا الزجّ بأصحاب القلم في أقبية السجون وعقد المحاكمات الصورية لخنق أصواتهم.
لقد توالت في الآونة الأخيرة أنباء إغلاق الصحف اليمنية غير التابعة للسلطة مع توالي أنباء الاقتتال والمواجهات في شمال اليمن وجنوبه، وتوالت أنباء اعتقال بعض أصحاب القلم أو "اختفائهم" مع توالي أنباء سقوط من يسقط من الجنود ومن المسلحين المتمردين ومن المدنيين الأبرياء..
إن الاستبداد ساهم إسهاما كبيرا في الوصول باليمن إلى ما وصل إليه ولا يمكن بمزيد من الاستبداد الخروج باليمن مما هو فيه، وإن الاستئثار بصناعة القرار ورسم السياسات وتنفيذها على الأصعدة الداخلية والخارجية أضعف اليمن في شماله وجنوبه، دولة وشعبا، سلطة وأحزابا، سياسة وإعلاما، ولا يمكن أن يستعيد اليمن عافيته ما لم يوضع حد نهائي للاستئثار بصناعة القرار وتنفيذ السياسات والحيلولة دون مشاركة حقيقية نزيهة في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والإعلامية والفكرية.
• • •
لم تعد قضية اليمن مجرد قضية خلاف بين شمال وجنوب، أو حزب يحكم وحزب يلاحق، ولم تعد مجرد قضية مسلسل اختطاف سياح أجانب للمطالبة بالحصول على بعض الحقوق المعنوية والمادية لقبائل اليمن وفئاته الشعبية المتعددة، ولم تعد مجرد مشكلة تمرد مسلح من جانب هذه الفئة أو تلك، ولا حتى مشكلة مجموعة ترى في استخدام العنف غير المشروع طريقا لمواجهة أعداء الأمة ومن تراهم مرتبطين بأعداء الأمة..
اليمن يواجه إضافة إلى ذلك كله خطر استهدافه في إطار الجهود القديمة المتجددة للسيطرة على جنوب البحر الأحمر وشرقي باب المندب وغربه وصولا إلى منابع النيل وتوظيف شرق إفريقية في نطاق حصار المنطقة العربية والإسلامية، وتوجيه مزيد من الطعنات إلى قلبها النابض في أرض الرباط المباركة.
اليمن على مفترق طرق ولا بد من سلوك الطريق الصحيح قبل أن تجرف الأحداث من يصنعها الآن في الاتجاه المعاكس لمصلحة اليمن وشعبه وحاضره ومستقبله، وسيبقى اليمن وشعبه من بعدهم، فسنة التاريخ لا تتبدل من خلال كبت الحريات وملاحقة وسائل الإعلام ومصادرة الأقلام واللجوء إلى المدفع والبندقية وإلى قضبان السجون والقمع في الشوارع في التعامل مع كل مشكلة كبيرة وصغيرة تنشأ داخل البلاد أو تحركها أصابع أجنبية من خارج حدود البلاد.
يجب أن يرتفع جميع الأطراف في اليمن إلى مستوى حمل المسؤولية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ بلادهم والمنطقة من حولهم، ويجب أن يدوسوا بأقدامهم على كل ما يمزق وحدة شعب اليمن استبدادا أو انفصالا، واستغلالا أو اقتتالا، ومصادرة للحريات أو إساءة لاستخدامها.
لن يفيد السلطة أن تكسب ودا أمريكيا أو غربيا وتخسر شعب اليمن، ولن يفيد اليمن أن يؤدي دورا مطلوبا منه من جانب أي قوة دولية ويخسر قدرته على القيام بدوره الوطني والعربي والإسلامي والإنساني.
والمسؤولية الأكبر في الخروج من الدوامة التي تعصف باليمن حاليا هي مسؤولية السلطة أولا، بما تملك من إمكانات وتتحكم بها، وبما تستأثر به وتحتكره حتى الآن من سلطة صناعة القرار وتبطش من خلال ذلك بخصومها.
يجب أن تكون المشاركة في صناعة واقع اليمن ومستقبله، وصناعة القرار السياسي وغير السياسي في اليمن الآن وفي قادم الأيام، هي أساس التعامل من خلال التمكين للحريات والحقوق، وإصلاح القوانين وتحرير القضاء، وتثبيت العدالة والنزاهة في الفصل ما بين السلطات ومراقبتها ومحاسبتها، وفي التداول على السلطة والعودة إلى إرادة الشعب في جميع ما يرتبط باليمن داخليا وخارجيا، سياسيا وأمنيا، اقتصاديا واجتماعيا، فكريا وإعلاميا.
يجب أن تكون كرامة الإنسان في اليمن فوق كل مصلحة ذاتية للسلطة أو للأحزاب خارج السلطة على السواء، كي يلتقي الجميع على حاضنة الكرامة المشتركة للوطن الواحد، والانتساب الواحد للأمة العربية والإسلامية، ولكي يقوم اليمن بدوره على بوابة باب المندب في حماية المصالح العليا المشتركة لليمن وللعرب والمسلمين في وقت واحد.
|