|
مظلة أمريكية واستثناءات أوروبية
كسر الجمود.. بمعيار الانحياز
دور أطلسي مستقبلا
على النقيض من التحركات السياسية الأوروبية خلال الأسابيع الأولى عقب استلام أوباما منصب الرئاسة الأمريكية وانتشار الوهم بتحرك سريع على صعيد قضية فلسطين، عاد الاتحاد الأوروبي بعد اللغط المعروف بشأن "تجميد" ما يسمى الاستيطان، إلى مرحلة أخرى من مراحل الانتظار، التي وصمت السياسة الأوروبية عبر العقود الماضية بالعجز.. حتى بدا أنه عجز مقصود ومطلوب سياسيا.
رغم وقوع العديد من الأحداث والتطورات ووصولها في الوقت الحاضر إلى ما يوصف بالحراك السياسي عربيا، تمهيدا للتعامل مع موقف أمريكي ما وربط قمة عربية قادمة به، فإن الاتحاد الأوروبي بقي ملتزما بسلوك سياسي له معالمه الواضحة، وإن بدا غامضا على وجه الإجمال للوهلة الأولى، ومن تلك المعالم:
1- تمسك الدول الرئيسية في الاتحاد بسياسة انتظار المبادرات الأمريكية وحصيلة مجرى "الحراك" الفلسطيني والعربي.
2- تعدد المواقف الانفرادية لبعض دول الاتحاد الأضعف تأثيرا على مواقفه المشتركة، وكبتها عند الاضطرار إلى اتخاذ موقف مشترك، إذا ما تجاوزت الخطوط "الحمراء" لسياسة الدول الرئيسية.
3- التجاهل المطلق لحالات صارخة تستدعي في الأصل اتخاذ موقف سياسي إذا كانت تلك الحالات تستدعي شيئا من الإنصاف للطرف الفلسطيني ، وعدم تجاهل حالات أخرى إذا تطلبت التحرك واتخاذ موقف منسجم مع الانحياز لصالح الطرف الإسرائيلي.
إلى الأعلى
مظلة أمريكية واستثناءات أوروبية
العناصر الرئيسية في المواقف الأوروبية عموما، طوال عام 2009م وحتى الآن، تدور حول محورين رئيسيين، أولهما ما يسمّى حل الدولتين، وهو الموقف المرتبط بما طرحه بوش الابن إبان حرب احتلال العراق، وبقي عنوانا دون مضمون، وثانيهما تجميد الاستيطان الذي طرحه الرئيس الأمريكي أوباما إبان استلام منصبه، وتحوّل إلى مجرد عنوان، بعد تحول واشنطون إلى المطالبة باستئناف مفاوضات دون شروط على حدّ تعبيرها.
ويظهر انضواء الموقف الأوروبي تحت المظلة الأمريكية في هذين المحورين من خلال تقلب هذا الموقف تبعا لتقلبات الموقف الأمريكي، من مرحلة التمسك المتشدد بحل الدولتين وتجميد الاستيطان، وتكرار ذكرهما في كل مناسبة أو زيارة، إلى مرحلة ذكرهما عابرا فحسب، والامتناع عن التلويح بإجراءات ما مضادة للحكومة الإسرائيلية، كما كان يتردد أحيانا على ضوء العلاقات التجارية بصورة خاصة، لا سيما تلك التي تنطوي على استغلال إنتاج بضائع في المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م وتسويقها كبضائع إسرائيلية في الاسواق الأوروبية.
وعندما حاولت السويد الاستفادة من رئاستها للاتحاد الأوروبي لستة شهور، ودفعه إلى اتخاذ موقف مشترك بشأن وضع مدينة القدس بالمنظور الغربي، بمعنى اعتبار القدس الشرقية المحتلة عام 1967م جزءا من الأرض التي يفترض قيام دولة فلسطينية عليها، لم يكن الأمر في حاجة حقيقية إلى المواقف الإسرائيلية المضادة تحت عنوان "ضغوط وتهديدات"، ففي سياسة الدول الرئيسية في الاتحاد من الأصل، لا سيما فرنسا وألمانيا، ما يكفي لتبني الموقف الإسرائيلي، وتمييع نص البيان الأوروبي المشترك، بحيث فقد مفعوله، أي الغرض المطلوب منه وفق الرغبة السويدية، رغم ضحالة النص الأصلي بمعيار العدالة والحق في قضية فلسطين، تاريخيا، وبمنظور القانون الدولي على السواء.
شبيه ذلك يمكن أن يسري الآن على جهود محتملة تبذلها أسبانيا خلال فترة رئاستها الحالية للاتحاد، إلى جانب تمثيله مركزيا بصورة ضعيفة من خلال رئيس ووزيرة خارجية، كلاهما لا يمثل ثقلا سياسيا سابقا، ولا يملك صلاحيات حقيقية للتصرف. وعندما صرح وزير الخارجية الأسباني موراتينوس بالرغبة في تأكيد سعي الاتحاد الأوروبي لحل الدولتين خلال فترة رئاسة أسبانيا للاتحاد، أعرب بنفسه عن "صعوبة" تحقيق ذلك بقوله إنه يتمسك بهذا "الحلم"، فالسياسة تتطلب أيضا طرح أهداف تبدو غير قابلة للتحقيق في المستقبل المنظور.
ولا يخرج عن هذا الإطار تصريح المستشار النمساوي فيرنر فايمان خلال زيارته الأخيرة لسورية، حول قابلية أن يلعب الاتحاد الأوروبي دورا فعالا "في المستقبل"، مشيرا إلى دوام تأييده لحلول يمكن الوصول إليها عبر "المفاوضات".
إلى الأعلى
كسر الجمود.. بمعيار الانحياز
بصورة عامة لا تصدر مواقف سياسية أوروبية رسمية أبعد من هذه الخطوط العامة، وإن صدر ذلك عن جهات لا تشارك مباشرة في صنع القرار السياسي، كأنشطة العمل على كسر الحصار وعلى ملاحقة مجرمي الحرب، أو مبادرة جهات كنسية -مثل وفد يمثل الأساقفة الكاثوليك الألمان- إلى المطالبة بوضع حد لسياسات الحصار الإسرائيلي (وغير الإسرائيلي) تجاه الفلسطينيين، مع التركيز على وضع الضفة الغربية والفلسطينيين المسيحيين فيها.
أما إذا بلغت المواقف والأنشطة غير الرسمية مستوى المساس بخطوط أوروبية "حمراء" فسرعان ما تخرج الحكومات الأوروبية المعنية عن حالة "العجز.. والانتظار" وتتصرف بصورة مضادة، كما هو الحال مع الجهود المتتابعة للناشطين الأوروبيين لملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية كلما أراد أحد المسؤولين السياسيين أو العسكريين المتهمين بها زيارة بلد أوروبي، كما حدث مع ليفني في بريطانيا مؤخرا.
ولا يستبعد في الوقت الحاضر أن تؤثر المواقف الرسمية التركية في قضية فلسطين، ووصولها إلى مستوى المواجهة العلنية مع الحكومة الإسرائيلية، على الاتحاد الأوروبي، وإن بقي التساؤل قائما حول كيفية التصرف تجاهها، فالصيغة التي صبغت حملة إعلامية مضادة لتلك المواقف، مع محاولة ربطها بالعداء للسامية حينا، وبالأوضاع الداخلية في تركيا حينا آخر، لا يمكن تبنيها رسميا على المستوى الأوروبي، فالمخاوف كبيرة من قابلية خسارة ما بقي من علاقات تركية-غربية عموما أو تركية-أوروبية، ومن ازدياد التوجه التركي سياسيا واقتصاديا وربما أمنيا وعسكريا في مرحلة تالية تجاه العالم العربي والإسلامي.
وربما يلعب "العامل التركي" بالإضافة إلى العامل "الإيراني" دورا وراء الكواليس على الأقل في إثارة المخاوف الأوروبية من مغامرة عسكرية إسرائيلية أخرى، سواء تجاه "حزب الله" بعد أن بدأت التطورات الداخلية اللبنانية تتخذ مسارا باتجاه استقرار يمكن أن تستفيد المقاومة منه في مضاعفة قدراتها لمواجهة عدوان محتمل مستقبلا، أو تجاه قطاع غزة بعد أن بلغ الاحتقان وراء "المعابر والجدران" درجة تفرض حدوث تطور جديد، إما في اتجاه ما يوصف بالمصالحة الفلسطينية، أو الحيلولة "عسكريا" دون تحقيقها على ضوء ما يتردد أنها وصلت "سياسيا" إلى مراحل متقدمة، على غرار الحرب السابقة.
إلى الأعلى
دور أطلسي مستقبلا
هذه المخاوف "المحتملة" تقابلها معالم سياسة أوروبية ثابتة، محورها الانتقال بمركز ثقل الأنشطة الأوروبية العسكرية في نطاق حلف شمال الأطلسي، من الساحة الأفغانية الميؤوس منها، ومن الساحة العراقية التي حققت في هذه الأثناء أغراض الاحتلال نسبيا، إلى الساحة "العربية" حول قضية فلسطين مباشرة، والممتدة من مياه سواحل لبنان، عبر حصار غزة، إلى مضيق باب المندب في اليمن والصومال، ثم عبر السودان حتى منابع النيل.
قضية فلسطين في هذا الإطار لا تنفصل عن المنظور الغربي الأشمل للمنطقة العربية والإسلامية، وتذكّر إلى حد بعيد بمطالع الحقبة الاستعمارية الأوروبية، التي وصلت إلى وادي النيل وبلاد ما بين النهرين فإلى القلب الفلسطيني من تلك المنطقة، بعد "تقطيع" أوصال المنطقة الإسلامية آنذاك، بدءا بإندونيسيا وشبه الجزيرة الهندية، مرورا بالبلقان وأواسط آسيا، انتهاء بالمغرب العربي الكبير.
ورغم معالم الهزائم عسكريا للحملات الأمريكية الأخيرة، فإن الاستفادة من "الفوضى الهدامة" التي خلفتها نهجٌ ثابت في السياسات الغربية حاليا، ويمكن أن يكون التركيز عسكريا وسياسيا على قلب المنطقة العربية والإسلامية هو المدخل الرئيسي للتعويض على اهتراء مكانة الأطلسي بزعامته الأمريكية عالميا وتجديد قوة الدور الأوروبي فيه ومن خلاله في المنطقة الأقرب جغرافيا.
في هذا الإطار، ومع تعاظم الدور الإقليمي لكل من إيران وتركيا، وعدم استبعاد أن يتحول النزاع الإقليمي إلى توافق على حد أدنى من المصالح المشتركة لا سيما نتيجة الجهود التركية المتصاعدة، لا ينبغي التعليق كثيرا على المخاوف الأوروبية من مغامرة عسكرية جديدة، فقد تسري على معارضة مثل هذه المغامرة تجاه إيران، ولا تسري بالضرورة على احتمال استهدافها قوى المقاومة في فلسطين ولبنان، أو استهدافها سورية، لإضعاف ما يسمى محور الصمود والممانعة.
لا شك أن المسؤولين عن صياغة السياسة الأوروبية، لا سيما في الدول الرئيسية للاتحاد، يدركون صعوبة استمرار حالة الانتظار والجمود، بعد أن طالت فترة حصار غزة، وتعاظم تأثيره منذ الحرب العدوانية السابقة على الرأي العام الأوروبي، إلا أنه لا يتوقع اتخاذ موقف أوروبي مشترك وجديد واضح، بغض النظر عن مضمونه، قبل طرح ما يسمى "المبادرة الأمريكية" ورؤية مدى استجابتها للمطلب الوحيد الذي بقي مطروحا في الساحة الرسمية، الفلسطينية والعربية، المتعلق بتجميد "الاستيطان"، وهو ما لا يتوقع ظهور جديد فيه قبل انعقاد القمة العربية القادمة في آذار/ مارس 2010م، وإلى ذلك الحين، ستبقى السياسة الأوروبية تلبس قناع العجز.. والانتظار، لتعليل امتناعها عن أي تحرك فعال، وهذا بحد ذاته "موقف سياسي" مطلوب في مرحلة بلغت فيها تطورات قضية فلسطين مستوى لا يمكن معه أن يكون التحرك الفعال باتجاه مزيد من الانحياز، وما دام المزيد من الانحياز غير ممكن الآن، فيكفي بالمنظور الأوروبي "الامتناع" على الأقل عن التراجع عن الانحياز القائم المتنامي طوال العقود الماضية.
|