 وزير إسرائيلي في الإمارات.. مصافحة إسرائيلية مع "شيخ الأزهر".. مصافحة إسرائيلية مع مسؤول سعودي.. وغير ذلك مما يسري عليه ما يُسمّى "جس النبض" على طريق اختراق ميادين أخرى على صعيد ما يسمّى "التطبيع"، مع الاحتماء تارة بمقولات الواقعية المزيّفة، وتارة أخرى بتوجيه أصابع التنصل من فعل الكبيرة إلى من يرتكبها من قبل وبصور أشنع وأوسع، وجميع ذلك على المستويات الرسمية.
رفض دعوات زيارة ثقافية.. أو سينمائية.. أو رياضية.. رفع لافتات مناهضة لمختلف أشكال "التطبيع".. القيام بحملات شبكية.. توزيع رسائل بريدية.. مواقف جريئة في مباريات رياضية.. ويوجد المزيد من الأمثلة، وجميعها على المستويات الشعبية.
ليس هذا هو التناقض الوحيد بين الحاكم والمحكوم على امتداد الوطن العربي الكبير، ولكنه في الوقت الحاضر أحد المحاور الهامة في مرحلة تاريخية من مجرى قضية فلسطين، يراد رسميا -سيان بسبب الضغوط الدولية أو بسبب رؤى سياسية ذاتية- أن تكون مرحلة الخطوات الحاسمة الأخيرة نحو التصفية.. حربا أو سلما!..
لا نهاية لميادين "الترويج للتطبيع" المرفوض، ولا لميادين "مناهضة التطبيع" المفروضة، ولا يكفي لاستعراضها والحديث عنها مقال، وليس هذا مقصودا في هذه السطور، بل المقصود طرح بعض الخواطر الأساسية، على أمل ألا تتحول ميادين "مناهضة التطبيع" إلى جهود متفرقة، وردود فعل آنية، تلحق بممارسات الترويج له إلى ما لا نهاية، بدلا من أن تشهد مبادرات مدروسة ومتتابعة فاعلة تفرض نتائجها فرضا على من يبتكرون تلك الممارسات، وتضطرهم اضطرارا إلى التراجع عنها.
• • •
كلمة "تطبيع" بحد ذاتها شديدة الشذوذ عندما توضع عنوانا لما يراد صنعه، أي تطبيع ما يستحيل أن يكون أمرا طبيعيا، أو علاقة طبيعية، ولو صدق من يستخدم الكلمة لوجب عليه استخدام كلمة "الإكراه" أو "التركيع" أو "الخضوع" أو "التسليم" أو "الاستخذاء" مكانها.
يسري على كمة "التطبيع" تلك ما يسري على كلمات أخرى سبق تسويقها بأسلوب مشابه: كثرة الاستخدام في السياسة المنحرفة والإعلام الموجه، إلى أن يستخدمها أيضا حتى العارفون بحقيقة مضمونها الرافضون أن تصبح واقعا قائما، لشدة ما تنطوي عليه من ظلم فادح ككلمة "سلام عادل"، أو خطورة بالغة ككلمة "سلام شامل"، أو استهزاء بالعقول ككلمة "حل الدولتين"، أو تزوير تاريخي وجغرافي بهدف سياسي جائر ككلمة "الشرق الأوسط"، أو تضييع للجهود في التفاصيل ككلمة "خارطة طريق".. وسوى ذلك كثير.
أصبحت كلمة "تطبيع" في هذه الأيام الكلمة الأكثر تداولا من بين هذه المصطلحات المزيفة وأشباهها، سواء على ألسنة المروّجين له أو الرافضين، ولم يكن ذلك اعتباطا، بل لأنها الكلمة المدخل إلى صناعة "صيغة التصفية" الأخطر.
إن السبب الأهم بمنظور الترويج للكلمة "تطبيع" سبب جوهري لا يستهان بأهميته والدهاء الكامن من ورائه، فالكلمة المراد تعميمها مصطلحا، هي بوابة ما يراد أن يصبح واقعا فعليا، سواء كمادة للمفاوضات أو كممارسات تطبيقية يسبق تمريرها إجراء المفاوضات العبثية أصلا ويوازيها..
هي بتعبير دقيق: المدخل إلى صناعة مستقبل مظلم صنعا بالإكراه، على أسس مرفوضة جملة وتفصيلا، لأنها تتناقض أول ما تتناقض مع كل ما هو "طبيعي اعتيادي مألوف"، إلى جانب تناقضها مع العدالة والتاريخ، والحق والثوابت، والواجب والممكن، وسلامة الأمة وأرضها في حاضرها ومستقبلها، بمنظور فلسطيني أو عربي أو إسلامي، قومي أو ديني أو حضاري أو إنساني.
هو الطريق التضليلي ذاته الذي اتبع في الترويج لما سبق من "مصطحات" تحت عناوين سلام عادل مزعوم، أو شامل موهوم، أو تعايش ملغوم.
جميع ذلك معروف مشهود، لهذا فإن ما ينبغي التركيز عليه بمنظور "مناهضة التطبيع" هو الحرص الشديد على ألا يقتصر الرفض على ما يوصف بالعمل السلبي، ففي ذلك موات مفعوله آجلا أو عاجلا، ولعل أوّل ما يبيّن المقصود أن "مناهضة التطبيع" -وللكلمة مضمون دفاعي- حلت في هذه الأثناء مكان "ممارسة المقاطعة" -وللكلمة مضمون هجومي- كما يبين المقصود أيضا أن حملات "مناهضة التطبيع" -أي مناهضة جانب واحد "هامّ" من جوانب ما يُصنع رسميا- زاحمت حملات "نصرة المقاومة" وتكاد تحل مكانها، أي تصعيد مفعول ما يصنع شعبيا ويؤثر على أرض الواقع مباشرة، وهو الأهم.
• • •
لا يعني ما سبق إطلاقا التهوين من شأن حملات "مناهضة التطبيع"، لا سيما عندما تقوم على أساس مواجهة مشاريعه الجارية في مختلف الميادين الثقافية والتجارية الأهم بكثير من "المصافحات" الاستعراضية لجس النبض فحسب.
ولا يخفى إطلاقا أن مفعول مبادرة فردية واحدة من قبيل ما صنع لاعب كرة القدم المصري "أبو تريكة" أكبر وأوسع تأثيرا من مفعول كثير من ردود الفعل الرافضة التي واجهت مصافحة شيخ الأزهر للرئيس الإسرائيلي أو مصافحة مسؤول سعودي لسياسي إسرائيلي.
إنما المطلوب إضافة إلى المبادرات والحملات الجارية، فرديا وجماعيا، أن تتحول ثقافة "رفض التطبيع" إلى جزء من نسيج صيغة شاملة، تنطوي في وقت واحد على:
1- تكامل مناهضة التطبيع مع ممارسة المقاطعة ومع دعم المقاومة.
2- رفض ما يصنع، وصناعة البديل.
3- رصد الثغرات في هذه الميادين لسدها، وابتكار طرق جديدة للعمل وسلوكها.
4- كشف المخططات المعادية وما يتبعها محليا، واتباع أسلوب التخطيط والتنظيم والتقويم والتطوير بالمقابل.
5- تفنيد أطروحات ممارسي "التطبيع" وما يتبع له وذرائعهم، ونشر الأفكار والحجج القويمة للتوعية والتعبئة الشعبية.
6- رفض ما تصنعه الجهات الرسمية طوعا أو كرها وقصدا أو عجزا، بحجة ضغوط دولية أو عبر سياسات ذاتية واقعية مزيفة، والعمل على صناعة الضغوط الشعبية وأسباب القوة الذاتية وتوحيد القوى والاتجاهات المتعددة، بما في ذلك ما لا يستثني العلاقة بين حاكم مدعو للاستجابة إلى إرادة شعبه، وشعوب لا تتخلى عن حقها في تنفيذ إرادتها داخل أوطانها وفي قضاياها المصيرية المشتركة.
إن لكل جهد صغير أو كبير قيمته الذاتية، ولكل مبادرة فردية أو جماعية مفعولها المباشر وغير المباشر، ولكل حملة ثقافية وفكرية وسياسية ونقابية ورياضية وشبكية وفنية أثرها.. وجميع ذلك يفرض التقدير والدعم والتشجيع والرصد والتعميم.
إنما تتحقق الأهداف الكبيرة بتلاقي تلك الجهود الفردية والمبادرات المبتكرة والحملات الجماعية وغيرها، على أرضية مشتركة، لا غنى فيها عن الرؤية الشاملة والقدرة على توظيف الطاقات بحيث تتكامل مع بعضها بعضا، ولا عن التخطيط المدروس والتنظيم الواعي والعمل الهادف المتواصل.
وهذا في مقدمة ما تتطلبه "مناهضة التطبيع" في هذه المرحلة، بالتكامل مع ممارسة المقاطعة ودعم المقاومة، وبالتكامل مع الجوانب الأخرى على صعيد العمل للقضية المصيرية المشتركة.
|