|
نص ورقة العمل المقدّمة إلى مؤتمر "المنتدى العالمي للوسطية"
المنعقد في صنعاء يومي 5 و6/6/1431هـ 19 و20/5/2010م
بعنوان: الوسطية الإسلامية.. المفهوم، التحديات، الأدوار
انظر أيضا: (الخطاب الوسطي في العلاقة مع الآخر) و (بين الوسطية والسياسة)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد فالسلام عليكم أيها الإخوة والأخوات، من أهل اليمن، ومن أهلي وأهل اليمن خارج أرضه، على اختلاف الحدود والأعلام واللهجات وجوازات السفر، ممّن تجمعهم كلمة الأمة الوسط بين الأمم، وهي الكلمة التي لا تحدّد وجود مسلمين وسطيين هنا وهناك، من هذا البلد أو ذاك، بل تعبّر عن وحدتهم عبر الزمان جيلا بعد جيل، وعبر المكان من مختلف البلدان.
هذا ممّا عايشته في ألمانيا أيضا، ذاك البلد البعيد عنكم، الذي استقر مقامي فيه، وأشهد أنّ فيه مسلمين وسطيين من الألمان ومن ذوي أصول مختلفة، عربية وغير عربية، فالحديث هنا يشمل فيما يشمل خطابهم الإسلامي وعلاقته مع الآخر باعتباره الحديث عن علاقة أمة الوسط بالآخر.. وقد سجّلت في ذلك بعض الخواطر كما طُلب إلي، فأرجو ممن يرغب أن يطلع عليها بين مطبوعات المنتدى، ففيها ما لا أطرحه خلال الوقت المخصص لهذه المشاركة..
وأستمسحكم أن أقتطع في البداية لحظات لأشير إلى أمر جانبي، إذ وجدت في التعريف بالمؤتمر كلماتٍ تقول إنني من المركز الإسلامي في آخن، وأقول إنّ للمركز فضلا كبيرا علي وعلى كثير من الشباب المسلم الوافد إلى ألمانيا وأوروبا، وقد تردّدت عليه وعملت من خلاله أكثر من عشرين سنة، ومن أرسخ ما تعلّمته من أستاذي الجليل المتواضع فيه، عصام العطار، قوله على الدوام: لا يوجد أحد أكبر من أن يتعلّم، ولا أحد أصغر من أن يعلّم.
وأستطيع أن أقول جازما إن عمل المركز ساهم إسهاما كبيرا في تنشئة التوجه الوسطي الإسلامي ورعايته، ويساهم حاليا في أنشطة العلاقة مع الآخر إسهاما مباشرا من خلال ندواته باللغة الألمانية وصيغ أخرى لتواصله، إلا أنّني تفرّغت للكتابة منذ عشرين عاما، فبقيت لي مع المركز صلة الأخوّة والمحبة والتعاون وليست لي صلة تنظيمية، فتأتي هذه الملاحظة لأنني لا أرى مناسبا أن ينشأ الانطباع بأنني حضرت مشاركا بصفتي من جهة معينة.
كما أودّ أيضا -كما صنعت قبل سنوات في لقاء سنوي سابق للمنتدى- أن أعبر عن شكري لمن منحني من أهلي الكرام فيه درجة الدكتوراة، أو لقب دكتور، وأنوّه مجدّدا بأنني لا أحمل هذا الدرجة وأغبط من يحملها، وآمل أن أساهم رغم ذلك بقسط في الموضوع المطروح.. الخطاب الوسطي الإسلامي والعلاقة مع الآخر، وفي الورقة تفصيل، أدعه جانبا وأتوقف هنا عند بعض الملاحظات فقط.
♦ ♦ ♦
بغض النظر عن أننا نطلق كلمة "الآخر" على جزء منّا، من قومنا، أو ما أسميه قطعة من ذاتنا المشتركة، داخل البوتقة الحضارية الإسلامية، بوصفهم الآخر عقيدة أو توجّها، يتبادر إلى الأذهان عند ذكر هذه الكلمة: الآخر الغربي، ونغفل عن الآخر في مجتمعات الشرق الأقصى، ولا ينبغي أن نغفل عن أنّ المتغيرات الدولية الجارية ستجعل الآخر الصيني، والهندي، والكوري، والروسي وغيرهم في آسيا وكذلك البرازيلي مثلا، في الصدارة إلى جانب الغربي، فلا يصحّ إغفال علاقة النهج الوسطي الإسلامي بالآخر من منظور أشمل من العلاقة مع الغرب والغربي، والأصح أن نسقط كلمة العلاقة مع الآخر، ونتحرك على أساس طرح النهج الوسطي الإسلامي بمنظور حضاري إنساني شامل، تكون العلاقات في إطاره جانبا من جوانبه.
أمّا مع الغربي فهذه العلاقة مثقلة بأعباء كبيرة وفيها أيضا مساحة واسعة من الميزات، من الوسطية أخذ هذا وذاك في الاعتبار، والبناءُ عليه.
ولا أجد متسعا من الوقت لبيان الميزات، فهي كثيرة، وحديثة نسبيا يحتاج الحديث عنها إلى تفصيل وبيان لا يسمح الوقت به.
أمّا الأعباء فمنها ما صنعه إرث التاريخ ومسلسل الأحداث المعاصرة، من وعي معرفي سلبي في الغرب تجاه الإسلام ولدى المسلمين تجاه الغرب.
ومن الأعباء ما يصنعه مفعول الهوة الحضارية الحالية، فنحن نريد ضبط العلاقة من موضعنا في حقبة تخلف حضاري نعاني منه، مع أصحاب حضارة متقدمة تقنيا وماديا، ويحسبون أنّهم بلغوا الذروة المثالية إنسانيا أيضا.. فلا تراودهم الشكوك في أنفسهم حول القيم الإنسانية والممارسات المتناقضة معها.. إلا قليلا.
ومن الأعباء أنهم يميّزون حقيقة وجود التعددية في الجسد الإسلامي البشري والفكري المعاصر أكثر مما نميّز حقيقة وجود التعددية في الجسد الغربي الفكري الحالي، فيضعون صيغ التعامل أو ضبط علاقاتهم بالإسلام والمسلمين بصورة أعمق وأكثر تفصيلا مما نصنع ذلك في الاتجاه المقابل.
ومن الأعباء أننا ننشغل بخلافاتنا بروح السعي لهيمنة بعضنا على بعضنا، ونعطي ذلك الأولوية على أرض الواقع، تجاه القواسم المشتركة بيننا، والتي تفرض التلاقي عليها لضبط العلاقة مع الآخر خارج نطاقنا، بينما ينشغلون بخلافاتهم وهيمنة بعضهم على بعضهم الآخر، ولكن لا يعطون لذلك الأولوية على القواسم المشتركة فيما بينهم للتلاقي عليها في ضبط علاقتهم بالآخر خارج نطاقهم، أي بالمسلمين والمنطقة الحضارية الإسلامية.
ومن أكبر الأعباء المعيقة لدينا، أنّنا لا نزال نفهم من مصطلح الخطاب، أي الخطاب الوسطي الإسلامي، الكلمة التي نقول، أو في أفضل الأحوال أشكال التعبير عما نريد.. ولم نصل حتى الآن إلى استيعاب عملي تطبيقي لمصطلح الخطاب، أنه كلمة وممارسة، ولا يمكن أن يصنع شيئا ذا قيمة، إلا عندما يتجسد فيه هذا وذاك معا، تنظيرا وتخطيطا وتطبيقا، في وقت واحد.
ومن أكبر الأعباء المعيقة لدينا، الشاملة لخطابنا مع الآخر ولمختلف ما يطرحه التوجه الوسطي، أننا لا نزال ننطلق من الشعور، أو نعطي دون قصد الانطباع، بأننا نصنع ما نصنع تحت عنوان الوسطية كي يقبلنا الآخر، سواء في ذلك القريب داخل بلادنا، أو البعيد عالميا، أو بأننا نعطي الردّ على اتهام، أو نهذّب ردودَ أفعال بعض فئات أمتنا على ما تواجه من ممارسات.
لقد انتشر انتشارا واسعا الحديث عن أن الإسلام دين الرحمة والتسامح، ردا على الاتهام الباطل أنه دين العنف والإرهاب..
وانتشر انتشارا واسعا الحديث عن حقوق الإنسان من منطلق إسلامي، ردا على المزاعم بأنها وليدة عصر التنوير الغربي قبل أن تحرفه دعوات الإلحاد الحداثية لاحقا..
وانتشر انتشارا واسعا تأكيد الوسطيين قبولهم بالديمقراطية آليّة للحكم، ردا على المزاعم بأن الاستبداد يستوطن البلدان الإسلامية بسبب الإسلام..
لم يعد واضحا في أطروحاتنا الإسلامية، وأعني أطروحات التوجه الوسطي تخصيصا، وبالتالي لم يعد مقنعا، أن عناصر الرحمة والتسامح والإنسانية وحفظ الحقوق والحريات، والعدالة والشورى، جميعها جزء عضوي من الإسلام نفسه، بحيث تتخذ صياغة أطروحاتنا حولها، صيغة المبادرة إلى طرح ما لدينا وتطبيقه، وليس صيغة ردود الأفعال سلبا أو إيجابا، وبالتالي مبالغة في التسييب أو التنطّع.
وأزعم أن الوسطية التي انتشرت انتشارا واسعا في الآونة الأخيرة، ستفقد زمام المبادرة، ما لم تتمسّك به بقوة، في كل مؤتمر ينعقد، أو مركز جديد للوسطية يتشكل، أو دراسة تُبحث، أو بيان يصدر، وما شابه ذلك من الأنشطة.
لا ينبغي أن تكون علاقتنا بالآخر علاقة الردّ على ما يفعل أو يقول، أو لا ينبغي أن يحتلّ هذا سوى جزء نسبي محدود من مجموع ما نبادر إليه، لأنه يجسّد إسلامنا في عالمنا وعصرنا، سواء وجد الآخر أم لم يوجد!.
♦ ♦ ♦
ما يُطرح تحت عنوان قضية المرأة مثال نموذجي، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخر الغربي.. أو المتغرّب.. وهو أيضا مثال نموذجي فيما يتعلّق مع الآخر في جناح التشدّد، وإذ دار بالأمس في هذا المؤتمر نقاش مستفيض عن المرأة المسلمة وقضيتها، أودّ التركيز على هذا المثال النموذجي في إطار العلاقة بالآخر الغربي.
وليس مجهولا من الناحية التاريخية أن قضية المرأة نشأت في المجتمع الغربي، بسبب معطياته الذاتية العقدية والفكرية والاجتماعية والصناعية، وانتقلت إلى بلادنا كحلقة من حلقات عديدة في مراحل التقليد والتغريب.. وتطوّرت إلى المرحلة الراهنة بينما بدأ الغرب الآن يشهد ردود الفعل الذاتية على الجوانب السلبية في مسيرته على هذا الصعيد.
طرحنا قضية المرأة في بلادنا تسييبا من أجل اتباع ما اتبعه الغرب، والمسيّبون يبحثون في الترويج لما يقولون عن نصوص شرعية فيؤوّلونها من أجل التشكيك في فرضية الحجاب مثلا..
وطرحنا قضية المرأة في بلادنا تشدّدا من أجل رفض ما صنع الغرب والمسيّبون، والمتشدّدون يبحثون للتدليل على ما يقولون عن نصوص شرعية فيؤوّلونها من أجل التأكيد على حبس المرأة في بيتها مثلا..
في الحالتين يُقلب منهج البحث الذي ابتكره المسلمون الأوائل ونقله الأوروبيون لاحقا، رأسا على عقب.. أي توضع الفرضية الخاطئة في صيغة نتيجة حتمية، ثم يجري البحث عن أدلة عليها، فلا تظهر إلا عبر الانتقاء والتأويل..
قضية المرأة في الإسلام جزء من قضية الإنسان، كما تعامل معها القرآن الكريم والعصر النبوي الأول، ولم يجعلها قضية منفردة بذاتها.. ولكن حتى عند القبول باعتبارها قضية قائمة بذاتها من باب التخصص في البحث.. لا بدّ من أن نحدّد معالم واقع المرأة القائم الآن عبر الدراسة الموضوعية الميدانية، ونحدّد ما قرّره الإسلام بصورة مباشرة، وليس ردّا على الآخر وأطروحاته غربيا أو محليا.. كي نصل في الحصيلة إلى نتيجة سليمة، وليس إلى فرضية مسبقة.
هذا ما لا يزال يوجد قصور كبير على صعيده، دون إنكار فضل الجهود الفردية المبذولة.. إنما أتحدّث هنا بمنظور جماعي، بمنظور ما يجعلنا قادرين على القول، إن النهج الوسطي الإسلامي يتميّز بطرح وسطي إسلامي مستمدّ من الإسلام الوسطي أصلا ، ومناسب لمتطلّبات واقع المرأة في نطاق مجموع واقع المسلمين في عالمنا وعصرنا الآن، وكذلك في مجموع واقع المرأة في النطاق البشري عموما.
سيانِ ما يقوله الآخر عن وضع المرأة المسلمة، افتراء أو تضليلا، لا ينبغي أن يغيب عن رؤيتنا أنّ التعامل مع المرأة المسلمة في واقعنا لا ينطبق على ما تفرضه الوسطية الإسلامية، ويكفي مؤشرا على ذلك أنّ ما ينعقد من ندوات ومؤتمرات، وما يتحقق من أنشطة عملية تتجاوز حدود الكلمة المحضة.. إذا انفسح فيها مجال لمشاركة محدودة من جانب المرأة، جرى ذلك بروح أننا معشر الرجال تكّرمنا على أنفسنا فسمحنا لها بالحديث أو العمل.. رغم أنّها متميّزة بالعاطفة.. وأن الرجل متميّز بالعقلانية.. وأزعم أنه يوجد عدد من النساء على مدى التاريخ وفي الوقت الحاضر، يتميّزن بالجمع ما بين العاطفة والعقل، أضعافَ أضعافِ ما يوجد من الرجال المتميزين بنعمة العقل بغض النظر عن العاطفة.. وإنّ من صنع هؤلاء الرجال بعد تغييب النساء، ما نرصده بصدد وجود أمتنا في الوقت الحاضر على هامش مسيرة الحضارة البشرية، وما ويجب تساؤلنا: هل ينجح التوجه الوسطي الإسلامي في حمل التحدي الكبير لاستئناف المسيرة الحضارية كما ينبغي.
♦ ♦ ♦
المطلوب في الحصيلة.. أن ينتزع التوجّه الوسطي الإسلامي نفسه، وربما لن يكون ذلك ممكنا إلا على أيدي جيل جديد من الشبيبة، أن ينتزع نفسه مما توارثه الجيل الحالي عن مسيرة الإصلاح والتجديد من المنطلق الإسلامي حقبة بعد حقبة، ومن تنقلها من ردّ فعل إلى ردّ فعل آخر، جنوحا ذات اليمين أو جنوحا ذات الشمال، في انفتاح على الغرب أو انغلاق، في تبعية للحكومات أو مواجهة مفتوحة.. ولن ينتزع شبيبة التوجهُ الوسطي الإسلامي أنفسهم من ذلك كله، إلا بأن يجعلوا من المبادرة سلوكا، ومن الإسلام وفهم الواقع منطلقا، ومن الجمع بين الكلمة والممارسة نهجا، في مختلف القضايا الفرعية المطروحة، كقضية المرأة أو العلم أو الحريات أو العنف، ليقدّم هذا النهج ما لديه وفق منطلقات الإسلام ومتطلبات الواقع، ولتكون علاقته مع الآخر جزءا من إنتاجه كنهج إسلامي حضاري قائم بذاته، ولا يكونَ إنتاجه أو جل إنتاجه مجرّد ردود فعل في نطاق علاقته مع الآخر.
والله من وراء القصد.. والسلام عليكم ورحمة الله.
|