|
العجز عن الانسحاب
تحطيم مستقبل الهيمنة
قضية جامعة مشتركة
قال: عادت أفغانستان إلى الواجهة.. تساءلت: كيف؟.. قال: أوّل مؤتمر دولي حول أفغانستان ينعقد على أرض أفغانستان، قلت: كأنّهم يحاولون هم العودة إلى الواجهة، وإثبات قدرتهم على الالتقاء على الأرض التي يحتلّونها، وإن حُشر اللقاء في نهارٍ واحد، وانعقد لبضع ساعات وحول المؤتمِرين ما لا يُحصى من الجنود والآليّات، ولا تفتر فوق رؤوسهم حركة دوريات الطائرات.. وفوق هذا وذاك، إنّما عقدوا اللقاء للبحث كيف يمكن الخروج من أفغانستان، فهم ما بين العجز عن البقاء والعجز عن الرحيل!.. أمّا أفغانستان فكانت في الواجهة على الدوام، بوجه مأساوي وآخر بطولي، بوجه عدوان إجرامي وآخر مقاوم باسل، بوجه سلطة بلغت مرحلة التسوّل من أجل أن يتفاوض معها المقاوِمون من أبناء الشعب، وآخر لشعب لا يملك شيئا يُذكر ويعجز أعتى عتاة الأرض عن كسر إرادته بأفتك ما صنعوا من أدوات القتل!.
إلى الأعلى
العجز عن الانسحاب
لم تغب أفغانستان عن واجهة الأحداث من قبل الاحتلال السوفييتي حتى اليوم، إنّما نغيب نحن عن متابعة أحداث أفغانستان، ونغيب عن تقدير حجم ما تصنعه من تغيير على وجه الخارطة العالمية، القائمة على الهيمنة بمختلف أشكالها منذ الحرب العالمية الثانية على الأقلّ، وعن إدراك أنّه سيكون لهذا الذي تصنعه أفغانستان بالتكامل مع ما تصنعه مقاومة بطولية أخرى في فلسطين والعراق والشاشان وسواها، أثر مستقبلي بعيد المدى، على تركيبة توازن القوى الدولية على مستوى عالمي.. وليس فقط على تركيبة محليّة داخل الحدود أو حتى إقليمية إسلامية وعربية، سيّان ما يُطلق عليها من مواصفات "شرق أوسطية"!
لم يقتصر العجز عن تحقيق نصر عسكري في أفغانستان على ما يشهد هذا العام، أي بعد القرار الأمريكي إرسال مزيد من القوات والعتاد، والقرار الأطلسي بهجوم كاسح حاسم، يصنع في شهور ما لم يتحقّق في سنوات.. فقد سبق اتخاذ مثل هذه القرارات مرّة بعد مرة، سنة بعد سنة، وأسفرت عن ذات الحصيلة، مرة بعد مرة، سنة بعد سنة: الجيوش الأمريكية والأطلسية غير قادرة على تحقيق "نصر حاسم" –وإن سبّبت ما لا ينقطع من تقتيل وتدمير- في حربها العدوانية تلك، العالمية من حيث عدد الدول المشاركة، والعالمية من حيث حجم طاقة التفجير المستخدمة بما تجاوز ماعرفته الحرب العالمية الثانية، وجميع ذلك في مواجهة ما يسمّونه: حفنة مقاتلين.. مجموعة إرهابيين.. فلول طالبان.. وستكون عالميةً أيضا –وهذا هو العنصر الأهمّ- من حيث الآثار البعيدة المدى للهزيمة فيها!..
والآن.. بعد انفضاض المؤتمر بيومين، ينكشف أمر وثائق سرية تؤكّد بصورة قاطعة أنّ أوضاعهم في أفغانستان أسوأ بكثير ممّا يعلنون رسميا عنه (92 ألف وثيقة سرية أمريكية، عبر موقع ويكيليكس، ثم عدة صحف غربية، إضافة إلى سيطرة طالبان على منطقة بارجي ماتال البالغة الأهمية في منطقة بنوستان الحدودية، وهي تسيطر في الأصل على أكثر من ثلثي مساحة البلاد).
إنّ العجز عن تحقيق نصر حاسم بات ظاهرا للعيان، ولكنّ العجز عن الرحيل، عن الانسحاب، هو الأخطر شأنا.. وقد قرّرت الرحيلَ دولٌ عديدة تجنّباً للاضطرار في نهاية المطاف إلى "رحيل مخزٍ قسري"، ولم ترحل أو تقرّر وتوشك على الرحيل لو استطاعت الاستمرار، فقد كانت أشدّ حماسةً لممارسة التدمير والتقتيل حتى من الدولة الأمريكية العاتية نفسها، مثل أوستراليا الناشئة في مهد المدّ الاستعماري القديم، وحتى بريطانيا الامبراطورية الاستعمارية العجوز!
إن الدول التي قرّرت الرحيل، وتلك التي ما تزال تسوّف.. تدرك تماماً أنّ حرب أفغانستان اتّجهت منذ سنوات اتجاهاً سيسفر آجلاً أو عاجلا، عن زعزعة أركان الصرح الأطلسي-الأمريكي، فيتهاوى ولو بعد حين، مثلما سبق أن زعزعت أركان صرح وارسو-السوفييتي، وتهاوى بعد حين.
إلى الأعلى
تحطيم مستقبل الهيمنة
الهزيمة في أفغانستان هي هزيمة الأطلسي الذي قرّر لنفسه وهو يستقبل الألفية الميلادية الثالثة أن يكون هو "شرطيّ العالم" فيها، حارساً على أنفاس الدول الأضعف عسكريا، وحارسا على استمرار استغلالها، تحت عنوان حماية أنابيب النفط والغاز وطرق التجارة والاستثمار، من أقصى الأرض إلى أقصاها.. فهل يمكن للحلف العتيد أن يؤدّي تلك المهمّة بعد ظهور عجزه للعالم عن مجرّد "تأديب فلول طالبان وحفنة الإرهابيين من تنظيم القاعدة".. رغم كلّ ما سلك من سبل واستخدم من أساليب لتقتيل شعب أفغانستان وتحويل أرضها إلى محرقة؟!..
والهزيمة في أفغانستان هي هزيمة الدولة العظمى، المنفردة بخطام زعامة الهيمنة الغربية أو هيمنة شريط الشمال من الكوكب الأرضي.. فهل ستبقى من بعدُ قادرة على التلويح بدباباتها وطائراتها وصواريخها وقنابلها العملاقة (أمّ النقابل كما أسموها) هكذا علناً أو من وراء الكواليس، في وجه كلّ من يتمرّد على الخنوع لها بسياسات التبعية الاقتصادية والمالية والأمنية وسواها؟!..
إنّ العجز عن الرحيل لا يتجسّد في مجرّد صعوبة اتخاذ قرار بسحب القوات دون إنجاز المهمة التي أُرسلت من أجلها، لا سيّما وأنّهم جعلوا من مهامّها زرع القتل لحصد الديمقراطية، وزرع التشريد لتنبت حقوق الإنسان، وكسر إرادة الشعب كي يتمتّع بالحرية، وإنفاق ألوف المليارات حرباً لأنّه لا يوجد طريق آخر للتنمية الزراعية والصناعية والاجتماعية سوى طريق الحرب!!.
هذا الوجه المرئيّ من العجز عن الرحيل، إنّما يتجسّد جوهره الأهمّ في العجز عن رؤية أيّ بصيص ضوء (لعدم وجود بصيص ضوء) للتمكّن بعد أفغانستان -والعراق وفلسطين.. وأخواتهما- من متابعة مسيرة الهيمنة الأمريكية الأطلسية الماضية قُدما منذ عشرات السنين على ما ورثتْه من الاستعمار الأوروبي التقليدي.. وبتلك الهيمنة ارتبط القسط الأعظم من الاستغلال الاقتصادي والمالي لمختلف بقاع العالم، وهو بالذات ما تؤدّي الهزيمة في أفغانستان إلى خسارته، آجلاً أو عاجلا. شبح انهيار الهيمنة والاستغلال عالمياً هو ما يجعل "الرحيل" عن تلك البقعة من الأرض أصعب بكثير -بمختلف المقاييس المعاصرة في كنف شرعة الغاب- من مواصلة المحاولات العقيمة لتستمرّ السيطرة عليها، وإنّ كلّفت ما كلّفت من خسائر بشرية ومادية.. بل وأدّت إلى سقوط أكثر من حكومة غربية في هذه الأثناء.
إلى الأعلى
قضية جامعة مشتركة
يصعب أن نفهم الغفلة عن رؤية كثير من المخلصين، نوعيّة الارتباط الوثيق بين قضايا بلادنا من أقصاها إلى أقصاها.. وإن كنّا نفهم –ولا نتفهّم قطعا- حرص مَن يمارسون الهيمنة على الإعداد لِما بعد أفغانستان للحدّ من آثار الهزيمة ما أمكن. ومن هذا الإعداد ما يتجسّد في أنّ النمر الجريح سيتشبّث ما استطاع لتركيز بقايا سيطرته على "القلب" من تلك المنطقة الإسلامية التي زرعت حرب أفغانستان وتداً في وجه سيطرته الشاملة على أطرافها.. وهذا ما يشير إليه تصعيد الجهود "الصهيوغربية" وليس الصهيوأمريكية فقط، لمواجهة الانهيارات المتتالية للمشروع الصهيوغربي في فلسطين وما حولها.
مجرى الحرب في أفغانستان يرسم -كمجرى الحرب في العراق- معالم شديدة الوضوح لمجرى الأحداث في قضية فلسطين، مع كل ما بات وثيق الصلة بها، من اسطنبول إلى صنعاء ومن بغداد إلى الخرطوم ومن طهران إلى موقاديشو.
لم يعد قلم بلفور يكتب "تاريخ" المستقبل، ولم يعد قلم سايكس-بيكو يرسم "خارطة" المستقبل، ولم يعد قلم مولييه أو إيدن ولا بوش أو أوباما، يملي على الشعوب "الحياة على طريقةٍ غربية" بنكهتها الصهيونية.. إنّما قلم المقاومة هو الذي يكتب منذ ما لا يقل عن ثلاثين عاما صفحات التاريخ والجغرافيا ويشق درب الحياة المستقبلية.
وجميع من يقاومون المقاومة علناً أو يغدرون بها من وراء ستار، ومن يتخلّون عن الشعوب ويتنكّرون لإرادتها، ويرون ما يجري في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، ويمتدّ إلى منابع النيل ومياه المتوسط، ثمّ لا يحرّكون ساكناً إلاّ في الاتجاه المعاكس للكرامة والتحرير، المستخذي لما يسمّى السلم والتطبيع.. جميع هؤلاء يصنعون ما يصنعون إمّا لأنهّم جزء لا ينفصم عن المشروع الصهيوغربي، أو لأنّهم ما زالوا يعيشون في وهم "البعبع الكبير".. ويحسبون أنّ للهيمنة التي خضعوا لها كارهين أو أخضعوا أنفسهم راضين، مستقبلا، بينما تتداعى أسسها وجدرانها بين أيديهم.. ولا يبصرون، أو لا ينظرون ليبصروا أصلا.
نربأ بهم وبالعقلاء والمستشارين والكتّاب الميامين، من بين أيديهم ومن خلفهم.. نربأ بهم أن يبقوا على هذه الشاكلة فيجرفهم تيّار التاريخ الذي يجرف الهيمنة التي يخشون منها أو يستمرؤون الخضوع لها!..
إنّما الأهمّ من ذلك بكثير، أنّه ينبغي أن نربأ أيضاً بكثير من الصادقين المخلصين، في قضية فلسطين، والعراق، وأخواتهما في المنطقة العربية، أن يكون فيهم من لا يرى رأي العين.. ذلك الرباط الوثيق بين ما تصنع أفغانستان، وما له من آثار على فلسطين والعراق وأخواتهما.
إذا تحرّرت فلسطين ففي تحريرها بوابة تحرير أفغانستان، وإذا تحرّرت أفغانستان ففي تحريرها بوابة تحرير فلسطين.. ولا يمكن الفصل في العمل لتحرير أيّ قطر عن العمل لتحرير قطر آخر من الأقطار المنكوبة بالاستعمار الحديث بمختلف أشكاله.
كما لا يمكن التنكّر لَما يصنع "بنو عثمان!" لمجرّد أنّنا بنو مضر وكلاب.. حتى وإن صنعوا ما لم يصنعه بنو جلدتنا من قومنا.. ولا التنكّر للشاشان بدعوى عدم إزعاج موسكو، وإن باعت بعض حلفائها –كإيران- بما يحقق مصلحتها الذاتية.. ولا التنكّر لكوسوفا.. أو كشمير.. تمسّكاً بأهداب تصوّرات قديمة عن صراع بين شرق وغرب، ورأسمالية وشيوعية، وما شابه ذلك.. أو حتى لمجرّد بُعْد المسافة في عالمٍ لم يعد أحدٌ فيه يجهل أنّه بات قرية صغيرة!..
إنّ التجزئة هدف عدواني قديم جديد، ليس فقط من خلال حدود وأعلام، ونعرات ونزاعات، بل يتحقّق في الدرجة الأولى من خلال فصل القضايا المشتركة عن بعضها بعضا، بينما يتلاقى عتاة الهيمنة من وراء جميع الحدود والأعلام والنعرات والنزاعات على استهداف جميع الأقطار التي نسمّيها "عالما ثالثا" وإليه تنتمي المنطقة العربية والإسلامية بأسرها، وفيه تدور رحى الحرب العدوانية الضروس على كل ما يوصل لتحرير أي شبر منها، وأي قطر من أقطارها.
يجب وضع حدّ لضيق أفق الرؤية الشاملة.. إن صحّ الإخلاص، وللحنين إلى أنانيات قديمة.. كي يجدي البذل والتضحيات، ولهدر الطاقات الذاتية عبر مزاعم تصوّر إمكانية "التخصّص" في قضية دون قضية، كما لو أنّ الأمر أمر بحث علمي وليس أمر عملية تغيير كبرى في عالم متغيّر معاصر.. لا يمكن أن تعيش بين ذئابه شاة قاصية مهما صنعت بمفردها!..
ليس المطلوب –ولا الممكن- الحضور في كل ساحة وكل جولة وكل موقع، إنّما المطلوب والواجب عدم عزل أي ساحة أو جولة أو موقع، ولا عزل القضية التي يتحرّك فريق تحت عنوانها في الدرجة الأولى عن سائر القضايا الأخرى.. فجميعها تشكل قضية كبرى مشتركة في نهاية المطاف.
من يتحرّك لمواجهة عدوان خارجي، على طريق يرسّخ التجزئة، أقوالا وأفعالا، إنّما يتحرّك بقصد أو دون قصد، في كنف من سعى ولا يزال يسعى لاستمرار التجزئة، كي تبقى الهيمنة، ليس على فلسطين دون أفغانستان، ولا على العراق دون الصومال، ولا على مصر دون السودان، ولا على المغرب دون إندونيسيا.. بل على جميع تلك الأقطار وأخواتها.. لأّنها إذا تحرّرت توحّدت، وإذا توحّدت تحرّرت، وإذا تحقق لها هذا وذاك.. انتهى عصر الهيمنة، وأمكن سلوك طريق البناء والنهوض واستعادة العزة والكرامة والقوّة والمنعة.
|