مداد القلم يرحب بك أجمل ترحيب بسم الله الرحمن الرحيم
نبيل شبيب – Nabil Chbib
midadulqalam.info

كلمة عربي.. تدعو إلى بيع فلسطين بالمال أحطّ وأخزى من كلمة إنجليزي وعد بها منحَ ما لا يملك لمن لا يستحق
كلمات سابقة
الرئيسية
اسم الدخول    كلمة المرور
— التسجيل   آخر تحديث : 30 رمضان 1431 و 08/09/2010 - 14:40   التحديث الدوري متتابع
مع الأقصى وفلسطين

زيارة الأقصى..

وشدّ الرحال إلى واشنطون

المحتوى

شؤون خاصة
هذا القلم
فوق جراح الغربة.. كلمات لمن يحب معرفة شيء عن صاحب هذا القلم


 

التشريد من عكا - النشأة في دمشق - بون دار الغربة

 

التشريد من عكا


 عكّا
عكا من أقدم مدن العالم، يعود العهد بها إلى الكنعانيين، وهم من أوائل الشعوب التي سكنت فلسطين، وفتحها المسلمون عام 15هـ بقيادة معاوية بن أبي سفيان، وعُرفت بنخيلها وفاكهتها وخضارها، وبالسور الذي صمدت المدينة من ورائه في وجه غزوة نابليون بونابرت الفرنسية. وإلى ما قبل النكبة الأولى لم يكن عدد اليهود في المدينة القديمة يتجاوز خمسين يهوديا من أصل 12360 نسمة (1346هـ و1945م).


عكا.. على ساحل فلسطين

 

1366 هـ و1947م

أوّل ما يذكره من حياته رواية تشريده مع أسرته عن عكا بفلسطين، في عام النكبة الأولى 1948م، وهي المدينة التي ولد فيها يوم 29 صفر 1366هـ (21/1/1947م).

والدي فتحي شبيب في مصانع سكّة الحديد في حيفا عام 1353هـ و1934م

وقد أقام أبي فتحي رحمه الله في عكا، وفي حيفا من قبل لمدة 17 عاما، يعمل في مؤسسة السكك الحديدية، وتزوّج بأمي ماوية حمزة رحمها الله من مسقط رأسه في دمشق، وأنجبا في حيفا كلا من وهيب وحنان ونادية، ثم في دمشق بعد التشريد من عكّا كلاً من رغداء ومازن وسامر، فكنتُ الأوسط عمرا في أسرتي، وكنت الأصغر يوم شُرّدت الأسرة عن فلسطين، وروت لنا أمّي كيف ازدادت كثافة القصف اليهودي على المدينة المنكوبة وأهلها، يوم صعدت إلى سيارة ركوب كبيرة، وأدخلني أبي وآخرون مع بعض إخوتي عبر النوافذ، لتنطلق سيارة التشريد بمن فيها شمالا، وتخلّف أبي فبقي في عكّا سبعة أيام، قبل أن تسقط المدينة ويلحق بنا عند بعض الأقارب في صيدا جنوب لبنان.
وعائلة شبيب موزّعة على عدد من الأقطار العربية، منذ كانت تلك الأقطار "أرضا عربية إسلامية" لا تعرف الحدود الفاصلة بين أرجائها، إلى أن جزّأتها المؤامرات الاستعمارية، وشارك في التنفيذ فريق من العرب، وسقطت الدولة العثمانية فتحوّلت إلى أشلاء، وإذا بالعرب المشاركين في إسقاطها يتحوّلون إلى ضحية للمؤامرات أيضا، وبعد فترة وجيزة، أصبحت فلسطين هي الضحية الكبرى، وأصبحت الأنظمة نفسها مسؤولة عن استمرار التجزئة.. واستمرار التخلف.. واستمرار بقاء فلسطين ضحية منكوبة إلى يومنا هذا.


ديار أناجيها

الكعبة الشمرفة في مكة المكرمة 
لم يسجدِ الهامُ إلاّ شطرَ قبلتِها
أو يطلبِ النورَ إلاّ عند كعبتها
وهل يطيبُ مقامٌ كالمقامِ بها
أم هل تطيبُ حياةٌ دونَ رؤيتها
تفديكِ مكّةَ أرواحٌ وأفئدةٌ
لم تعرفِ العزَّ إلاّ عبرَ عزّتِها
المسجد النبوي في المدينة المنورة 
وحبُّ طيبةَ من حبِّ الرسولِ وكمْ
أرجو الشفاعةِ من ساجٍ بروضتِها
الحرم القدسي في بيت المقدس  
والقدس جرحٌ جرتْ أدماؤُهُ بدمي
كدماءِ عكّا على أسْوارِ قلعتِها
عكا على الساحل الفلسطيني.. السور والقعة 
 
دمشق 1395هـ و1940م.. ساحة الهداء (المرجة) 
والشامُ كالجمرةِ الحرّى على كَبِدي
تؤجّجُ الشوقَ في عيني ودمعتِها
تلك الديارُ أناجيها وأذكرُها
وتوشكُ النفسُ أن تفنى بغربتِها
 


التشريد من عكا - النشأة في دمشق - بون دار الغربة



النشأة في دمشق

 
دمشق من عام 1359هـ و1940م 

دمشق
إن لم تكن مدينة أريحا في فلسطين، فدمشق هي أقدم مدينة في العالم، نشأت قبل ثمانية آلاف عام، ويقال عنها الشام أيضا على عادة تسمية العاصمة باسم البلد، وكانت على الدوام عاصمة "بلاد الشام"، إلى أن أصبحت نتيجة اتفاقية "سايكس بيكو" الاستعمارية مقسّمة إلى سورية ولبنان وفلسطين والأردن. سبق العثور فيها على آثار استيطانية من العصر الحجري والعصر البرونزي، وعرفت انتشار الحضارات السريانية والفينيقية والتدمرية وغيرها كما تعاقب على حكمها الفراعنة والفرس والرومان وغيرهم، إلى أن كان الفتح الإسلامي عام 15هـ و636م في عهد عمر الفاروق رضي الله عنه. وأصبحت عاصمة للأمويين عام35هـ و656م. واستعمرها الفرنسيون بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن تحقق استقلال سورية عام1365هـ و1946م.

 

1369 هجري/ 1950 ميلادي

بعد إقامة قصيرة في صيدا انتقلت الأسرة إلى دمشق، وأوّل ما أعي منها من وراء ضباب ذاكرة الطفولة الأولى، بلدة دوما، حيث كان سكننا الأول في كنف جدّي لأمّي نظمي حمزة رحمهما الله، ولا أعرف جدّي لأبي وهيب شبيب رحمهما الله إلا عبر الصور والحكايات.

مسجد "دك الباب"

إنّما كان أوّل عهدي بدنيـا الأطفال في شارع الروضة في دمشق، حيث كان مسكننا عند مدخل شارع عبد الحميد الزهراوي، قريبا من "ساحة عرنوس"، وهي ساحة لا يعرفها اليوم إلا المسنّون، فقد حوّلتها السلطات إلى "ساحة 8 آذار" بعد هدم قسم من أبنيتها في أعقاب حريق ردّد العامّة في حينه أنه كان مدبّرا، وقد قضى على مسجد "دك الباب" الذي كان لي فيه أوّل روضة من رياض الإقبال على الإسلام، بين يدي إمامه وخطيبه الشيخ عادل الدادا، الذي رأيته لآخر مرة في إحدى زياراتي لدمشق لاحقا، وكان في صحبة مفتي سورية آنذاك الشيخ أحمد كفتارو، وأذكر أنه كان شديد الحيرة، لا يدري ماذا يفعل بعد أن فقد مسجده وأهل الحيّ، ولم تعوّضهم السلطات بمسجد بديل في الساحة المجدّدة.

والدي فتحي شبيب يوم زواج ابنته الكبرى أختي حنان عام 1389هـ و1969م
أمي.. ماوية حمزة.. رحمها الله
طفولة قلم

في دمشق نشأت وفي مدرسة عمر بن عبد العزيز في حيّ الجسر الأبيض كان للأستاذ نجم الدين العجلاني، أستاذي في الصف الثالث الابتدائي، فضل كبير في تشجيعي على الكتابة في تلك السنّ المبكرة، عندما عرضت عليه "رواية" كتبتها في خمسين صفحة أو أكثر، لم تكن تصلح للقراءة قطعا، وبادرني رغم ذلك بكلمات لطيفة مشجعة كما لو كانت رواية عالمية المستوى. وكنت في المدرسة أعشق دروس العربية والحساب.
كما كنت لا أنقطع عن مطالعة مجلات الأطفال، وما أستطيع شراءه من قصص من مكتبة صغيرة في إحدى زوايا ساحة عرنوس، يبيعها صاحبها بسعر رخيص بعد أن يتقادم بها العهد، وكانت غالبا من روايات "أرسين لوبين" أو روايات "طرزان" المترجمة عن الفرنسية والإنجليزية، فكنت أخفي القصة عن عيني أبي فأضعها داخل أحد الكتب المدرسية وأنا جالس على مقربة منه في متجره الصغير في الساحة، أو في البيت، وأحسب الآن أنه كان على علم بأمري آنذاك، كما أصبحت من بعد على علم بكثير من أمور أولادي أثناء صغرهم وهم يحسبون أنفسهم يخفون أمرا من الأمور، ولكنه كان يتغاضى متجاهلا، فما كنت مقصّرا في المدرسة، فقد اختتمت المرحلة الابتدائية فكنت من العشرة الأوائل في سورية، وقد أصبحت في هذه الأثناء "الإقليم الشمالي" من الجمهورية العربية المتحدة، وحصلت مع آخرين من المحافظات السورية على جائزة، المشاركة في رحلة لمدة 35 يوما إلى بلغاريا، وكان الجزء الأعظم منها في "مخيم للشبيبة" -ولنقل للأطفال والناشئة- على ساحل مدينة "فارنه" على البحر الأسود.

وفد الأطفال الناشئة من سورية (الإقليم الشمالي في الجمهورية العربية المتحدة) عام 1378هـ و1958م إلى مخيم فارنه في بلغاريا
غياث رضا من حلب من رفاق الرحلة إلى بلغاريا

ويبدو أن الهدف في ظل الاشتراكية التي حكمت مصر وسورية آنذاك، كان أن نتعرّف في تلك السنّ المبكّرة على "منجزات الدولة الشيوعية" البلغارية، فرأينا "أجمل صورة" يمكن أن تبقى في ذاكرة "أطفال" بين العاشرة والثانية عشرة من العمر، ثمّ .. كم كان ذهولي كبيرا عندما رأيت صورا أخرى تماما، وأنا أعبر بلغاريا بعد 15 عاما تقريبا بالسيارة، فأرى من كثب أهلها ومدنها وقراها وأحياءها ، مرّة بعد مرّة، أثناء سفري زائرا لبلدي سورية، وقادما من بلد غربتي ألمانيا، حتّى أنني كنت أحرص على ألا أتوقّف بعد تجاوز حدود النمسا مع بلغاريا، إلاّ عندما أتجاوز حدود بلغاريا مع تركيا.

"المركز الثقافي العربي" وجولات أقلام الأمس

لم أقتصر في مطالعاتي على القصص "الرخيصة" كالتي ذكرت، فقد كان "المركز الثقافي العربي" التابع للدولة في عهد الوحدة، مقصدي المفضل في تلك الفترة، أطالع فيه الروايات العالمية خاصة وأقرأ لمن اشتهر-أو من كان يراد له أن يشتهر أكثر من سواه- من كتّاب مصر في تلك الفترة التي حفلت بالأقلام المبدعة، على تعدّد الاتجاهات وصراعها فيما بينها، وكنت أستمتع بقراءة مسرحيات توفيق الحكيم، وروايات جرجي زيدان وأستصعب قلم طه حسين، ولكن كنت أسعى لقراءة ما أجده أيضا -وكان قليلا- بأقلام آخرين من عمالقة القلم، ممّن تأثّرت بالتزامهم الإسلامي وقلمهم الأدبيّ من بعد، من أمثال مصطفى صادق الرافعي وإبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني (الشهير بعبد القادر المازني، وهو اسم جدّه كما يقول الزركلي صاحب "الأعلام") وأحمد حسن الزيات وغيرهم، وأذكر أنني قرأت معظم ما كتب مصطفى لطفي المنفلوطي، إلا أنّني ما أقبلت على كتب عباس محمود العقاد وآخرين ممّن قد يطول المقام هنا بذكرهم إلا متأخّرا.. وكان هؤلاء بداية الإحساس بما يمكن أن يصنعه القلم في النفوس، وما يمكن أن يؤدّي من خدمات، وأن يؤثّر به في مختلف ميادين الحياة.

حماي وأستاذي عبد القادر عرب أوغلي رحمه الله..
زوجي.. هناء عرب أوغلي
ثانوية "جول جمال"

أصبحت في هذه الأثناء في "ثانوية جول جمال" حيث استأنف تشجيعي معيد المدرسة الأستاذ عبد القادر عرب أوغلي رحمه الله، والذي شاء الله تعالى أن يزوّجني بابنته هناء بعد أكثر من عشرة أعوام، وأصبح لي في هذه الأثناء ابنتان وثلاثة بنين، الأصغر جهاد الذي صمّم الإصدارة الأولى لهذا الموقع أثناء إعداده لامتحانات الشهادة الثانوية، وطوّره إلى شكله الحالي أثناء دراسته الجامعية، والكبرى رائدة التي أصبحت لها كتاباتها بالعربية والألمانية وقد تخصّصت جامعيا في العلوم السياسية، ويجد بعضُ ما نشرت طريقه إلى هذا الموقع إن شاء الله.

ورائدة أوّل من جعلتني "جدّاً" بميلاد حفيدتي "نور"، وتبعها حفيدي "أيمن" لابني بلال، ثمّ في هذه الأثناء حفيدتي "هناء" لابنتي سلمى، وحفيدي كريم لابني بلال.. وأسأل الله أن يبارك فيهم وفيمن يليهم، ويجعلهم قرّة أعين لأهلهم ويسدّد دربهم إلى ما فيه خيرهم وخير أمّتهم دنيا وآخرة.

حفيدتي.. نور خرابشة،  مواليد عام 1422هـ/ 2002م كاتب هذه السطور ما بين ستة شهور وستين عاما من العمر حفيدتي.. هناء بلال، مواليد عام 1427هـ/ 2006م
     
 حفيدي.. أيمن شبيب، مواليد عام 1423هـ/ 2003م
 حفيدي.. كريم شبيب، مواليد عام 1428هـ/ 2007م  

 

بين المهد واللحد

هِيَ الحياةُ بِغَيْبِ اللهِ قَدْ حُجِبَتْ
إِنْ يُزْهِرِ الزّهْرُ قَدْ لا يُثْمِر الثّمَرُ
فَاعْلَمْ بِأَنّكَ مَهْما عِشْتَ في رَفَهٍ
فَسَوْفَ تَفْنى وَيَفْنى عَيْشُكَ النّضِرُ
فَاخْتَرْ لِنًفْسِكَ تَقْوى اللهِ تَحْمِلُها
زاداً لِحَيٍّ.. فَما تَدْري مَتى السّفَر
أَمّا المَتاعُ.. فَما الدُّنْيا بِباقِيَةٍ
إِلاّ لِبِضْعِ سُوَيْعاتٍ.. هِيَ العُمُرُ
يَكْفيكَ ما خَفَّ هَلْ يَبْقى سِوى عَمَلٍ
وَالَوَعْدُ أَنْ يَرْحَمَ الرّحْمنُ مَنْ صَبَروا

من أصدقاء النشأة الأولى

أستاذي، وحماي من بعد، عبد القادر عرب أوغلي رحمه الله، اختارني في أحد الأعوام مع مدير المدرسة لأكون الخطيب باسم التلاميذ في احتفالهم بعيد الأمّ، فكنت شديد الاعتزاز بذلك إذ رأيت فيه شهادة على سلامة لغتي العربية، وقدرتي على الخطابة، كما ساعدني في هذا الطريق في آخر عام قضيته في ثانوية جول جمال ثم في عام الحصول على الشهادة الثانوية في ثانوية ابن العميد، تردّدي على مسجد أبي النور الذي كان يوصف بمسجد الشيخ كفتارو، فكان لتعلّم تلاوة القرآن الكريم أثره الكبير، وقد بدأت أتميّز بأنّ لي اتجاها "إسلاميا" بين أقراني من تلامذة المدرسة، وأذكر منهم عماد غازي الذي طالما أعجزني تفوّقه على الجميع في لعبتنا المفضلة كرة الطاولة، ورياض جابر الذي طالما صدّع رؤوسنا بحديثه الدائم عن كتاب "كفاحي" لهتلر وكان معجبا به إعجابا كبيرا، وإياد شعبان الذي كان أشدّ المنافسين لي على المرتبة الأولى في الصفّ، وغياث سابق أكثرنا هدوءا وتحمّلا لمقالب الزملاء في المدرسة، وبشار حفار التلميذ الأثرى من سواه بيننا والمحبّب إلينا جميعا، ثم وضّاح العظم وفوّاز طباع وكنّا نشكل الثلاثي الذي لا يفترق في المدرسة ولا خارجها، وسمعت بعد عشرات السنين أنّ الأوّل يقيم في أمريكا، أمّا الثاني فاجتمعت به في زيارة للرياض في السعودية، حيث أصبحت له عيادته الخاصة، إذ أصبح طبيبا كأبيه، وكان من أصدقاء الحيّ السكني في تلك الأيام ماهر طلعت، وانقطعت أخباره عنّي، ورضوان غيبة، الصديق الذي تعرّفت عليه في مسجد "أبو النور"، ووصلني خبر استشهاده في حرب 1967م (1387هـ).. وغير هؤلاء كثير.

 

من أصدقاء النشأة الأولى

إياد شعبان 
 
وضاح العظم
 
رضوان غيبة
 
ماهر طلعت

مدينة الشيوخ والعلماء

في ثانوية ابن العميد في حيّ ركن الدين بدمشق -وكان يعرف باسم حي الأكراد- كانت المحطّة الثالثة من محطات التشجيع المبكر على الكتابة، وجدتها لدى أستاذ العربية الفاضل محيي الدين القضماني، الذي التقيت به في المدينة المنوّرة بعد سني المدرسة بأكثر من ربع قرن، وقد أصبح شيخا جليلا مهيبا أحرص ما يكون على البقاء في جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلّم. وقد كان في مدرسة ابن العميد عنوان الصبر والأناة في التعامل مع الزلاّت والأخطاء التي يرصدها خلال حملي المسؤولية عن اللجنة الثقافية في المدرسة، وإشرافي على المكتبة والإذاعة وجريدة للحائط لتلاميذ المدرسة..

مدخل الجامع الأموي في دمشق
الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله

وما كان ذاك "الإنتاج الصحفي" المبكّر سهلا في تلك الفترة بين عامي 1964 و1965م (1384هـ)، وقد بدأ الاستبداد البعثي في سورية يكشّر عن أنيابه بمعنى الكلمة، ويضاعف من بطشه ذات اليمين وذات الشمال نتيجة انقساماته وصراعاته الداخلية كحزب، ونتيجة رفض الشعب لسياساته التي ناصبت العقيدةَ العداء، وهو ما بلغ ذروته الأولى في قصف مسجد السلطان في حماة، واقتحام المسجد الأموي في دمشق بالدبابات.
كانت دمشق آنذاك مدينة "الشيوخ والعلماء" وكلّ منهم يستقطب أعدادا كبيرة من الشباب في أحد مساجد المدينة، وكان أحبّ ما أسمعه إلى نفسي -ككثير سواي رغم حداثة السنّ- دروس الشيخ الفاضل والمربي الكبير علي الطنطاوي رحمه الله، فكانت الحلقات حول المذياع لا تجمع الشباب في البيوت وخارجها إلاّ على دروسه الإذاعية، قبل أن يخرجه البعثيون من سورية مثلما أخرجوا من بعده جلّ العلماء والدعاة الأفاضل، وكان لحديثه -وكتبه من بعد- فضل كبير في تقويم ما اعوجّ به اللسان والقلم تأثّرا بكتب ومجلاّت أو برامج إذاعية جعلوها سهلة المتناول على الشبيبة، في أيام لا يدري الشاب فيها هل كان ذلك نتيجة سياسة مرسومة، أو حصيلة سياسة معوجّة من الأصل كي تتسلّل الانحرافات عبر تلك الكتب والمجلات والبرامج الإعلامية إلى القلوب والعقول وتستفزّ ما استقر فيها من ثقافة الإسلام وأدبه وفكره.

الإسلاميون والبعثيون في دمشق

كانت سنوات الوحدة بين مصر وسورية فالسنوات الأولى من الستينات في القرن الميلادي العشرين أوّل فترة بدأت أعي فيها على موقع الإسلام في حياة الإنسان، وفي المجتمع، وفي مختلف القضايا السياسيّة وغيرها، إلى جانب أول معالم الوعي السياسي-أو هو التأثّر السياسي- عندما استحكمت المعركة بين الإسلاميين والبعثيين أثناء ما سمّي "حكم الانفصال" في جولة انتخابات نيابية -يتيمة- في تاريخ سورية الحديث، فآنذاك قُدّر لي أن أسمع أشهر خطب عصام العطار، قائد التيّار الإسلامي في سورية آنذاك، وهو يلقيها في جامعة دمشق، وأدّت في حينه إلى سقوط الحكومة السورية بعد أيّام.. وتركت كلماته أثرا عميقا في نفسي إلى جانب الأثر السلبي الذي تركته الأحاديث التي كانت تدور بين الناس يومذاك -دون أن أدرك التفاصيل إدراكا عميقا أو كافيا- أن يؤيّد "شيخي" في تلك الفترة أحمد كفتارو انتخابَ المرشح "البعثي" رياض المالكي، على حساب المرشح الإسلامي الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله، ومنذ ذلك الحين استقرّ الاقتناع عندي أنه لا ينبغي أن يكون التعامل مع الحدث السياسي تعاملا مرتبطا بالانتماء إلى تنظيم ما، بل الأهمّ هو التصور والفكر والاتّجاه القويم، مع التنظيم أو بدونه .

  

التشريد من عكا - النشأة في دمشق - بون دار الغربة
بون دار الغربة


 بون

يعود العهد بمدينة بون إلى ألفي عام مضت، وتعتبر من أقدم المدن الألمانية، قامت على ضفاف نهر الراين، بدأت كمعسكر روماني قبل ميلاد المسيح عليه السلام باثني عشر عاما، وتطوّرت في العصور التالية، فأصبحت إمارة لبعض الإمارات الجرمانية، ومركزا كنسيا، واشتهرت بولادة الموسيقار الألماني لودفيج فان بيتهوفن عام 1770م فيها، وكانت عاصمة لألمانيا الغربية بين عامي 1949 و1990م وبقيت مركزا لحكومة ألمانيا الموحّدة من بعد حتى عام 1999م، وتعتبر مدينة جامعية عريقة، كما أصبحت مركزا لعدد من المؤسسات والمنظمات الدولية.


مجلس بلدية بون.. وسط المدينة

 

1385هـ و1965م

هذا المعنى حول الارتباط بالإسلام لا التنظيم كان في مقدمة ما جمعني مجدّدا على الطريق التي اختارها عصام العطار لنفسه ومن سار معه، وهو يطرح فيما يطرح أنّ "الإسلام هو الأصل والحركات كلها وسائل، وأنّ الأخوّة في الإسلام لا التنظيم، وأنّ كلّ منظمة هي جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، وأنّ التعاون من أوجب الواجبات".

مسجد بلال في آخن غرب ألمانيا.. المئذنة
عصام العطار ومسجد بلال

كان ذاك بعد أن شاء لي الله تعالى أن أجتمع به ثانية، وقد استقرّ بي المقام في ألمانيا منذ جمادى الآخرة 1385هـ (تشرين أول/ أكتوبر1965م). بينما كان قد استقرّ الترحال فيها أيضا بعصام العطار، بعد خروجه من سورية بقصد الحجّ وإغلاق الحدود في وجهه ومنعه بذلك من العودة إلى بلده الأول ثم تهجيره من بلد عربي إلى آخر، إلى أن أوصله "الاضطهاد" إلى السجن في بيروت، ومن هناك نُقل إلى سويسرا وبلجيكا حيث بقي مريضا عاجزا عن الحركة، قبل وصول الترحال به إلى مدينة آخن الألمانية، حيث سبق أن أقام الطلبة والعمال المسلمون (مسجد بلال) فطلبوا إليه أن يكون مديرا على المركز الإسلامي التابع له، فانطلق يعمل -رغم بقايا المرض وآثاره- على جمع الشباب المسلم المغترب على الإسلام.


مسجد بلال أثناء بنائه في الستينات من القرن الميلادي العشرين
غلاف العدد الأول من مجلة الرائد عام 1392هـ و1972م

وكان عصام العطار في ألمانيا أستاذي الذي شجّعني على الكلام في جموع من المسلمين من مختلف الأعمار من الرجال والنساء، وكان يتعهّدني بالعناية بصبر لم أعرف مثله في غيره، وهو مَن لا يزال لإرشاداته الفضل الأكبر في كلّ كلمة خطّها القلم منذ أكثر من ثلاثين عاما، وقد استلمت المسؤولية عن تحرير مجلة (الرائد) التي أسّسها في محرم 1392هـ وآذار/ مارس 1972م، وعندما وافق لي على نشر أوّل مقالة (مترجمة) لي كان قد صدر من (الرائد) عشرة أعداد، ولو وصلني ذاك المقال من أحد أصحاب الأقلام الناشئة اليوم، لتردّدت في نشره، ولكن منذ ذلك الحين لم أنقطع عن الكتابة في الرائد أولا، إضافة إلى تأليف بعض الكتب لا سيما عن قضية فلسطين في السبعينات من القرن الميلادي العشرين، أيام النكبة السياسية الكبرى الأولى في تاريخ القضية، ثمّ فيما انفسح له المجال من كتابات صحفية في عدد من الصحف والمجلات، وأخيرا في شبكة العنكبوت وقد أخذت مكانها بين وسائل النشر والإعلام.

عصام العطار
منهج القلم

كان من إرشادات أستاذي عصام العطار أنّ نضوج القلم مشروط بكثرة القراءة، وأنّه لا بدّ من حسن الاختيار لأمهات كتب الأدب والفكر بغضّ النظر عن اتّجاهات أصحابها، فالوعي كفيل بتوظيف المعرفة توظيفا حسنا، حتّى لما يشمله الضعيف من تصوّرات وأفكار.
وكان من إرشاداته أنّ التعبير القويّ عند الجهر بالحق والموقف الذي يمليه الواجب، لا يتطلّب الشدّة في الألفاظ، بل الوضوح والقوّة في الفكرة وحسن الأسلوب في التعبير والأداء، فضلا عن التوقيت المناسب والظروف الملائمة.
وكان من إرشاداته أنّ الاهتمام بالكليّات أَوْلى من الاستغراق المضيع للجهود والأوقات في الفروع والتفاصيل وخوض الخلافات حولها.
وكان من إرشاداته أنّ أفضل السبل لمكافحة الباطل بالقلم، هو سبيل بيان الحقّ، فظهور شعاع من النور يكفي لمحو أمواج متراكمة من الظلمة.

من مداد القلم.. كتب صدرت بين السبعينات والتسعينات من القرن الميلادي العشرين..

وربّما وجد عصام العطار لديّ من البداية بعض الإتقان للنحو والصرف ولهجةً خطابية، ولكن كان ينقصني آنذاك الكثير خارج هذا الإطار، كي أصل إلى مستوى كتابة تصلح للنشر أو مستوى إلقاء ما قد يفيد الاستماع إليه. والقسط الذي حصلت عليه مع الزمن من هذا "الكثير" هو ما أدين به من بعد فضل الله تعالى، لإرشادات عصام العطار، وهو لا ينفكّ عن التشجيع حينا، والتقويم حينا آخر، والتصويب حينا ثالثا، والتعليم حينا رابعا، دون أن يشعرني مرة واحدة بأنّ التشجيع أتى بعد ضعف في الكتابة، ودون أن يبلغ التقويم من الشدّة ما يستحقّه الاعوجاج في القلم، أو أن يحمل التصويب عتابا على خطأ جسيم، أو أن يرافق التعليم الشعور بأنه يأتي لِمن يقف على أوّل درجات السلّم بين يدي من صعد إلى ذروته، وهو الذي لم يفتأ يرددّ على مستمعيه، أنّه لا يوجد أحد أكبر من أن يتعلّم ولا أصغر من أن يعلّم، وأنّ الإسلام في حاجة إلى "جيل جديد يتفوّق علينا في كلّ ميدان من الميادين"، جزاه الله تعالى عنّي وعن كلّ من انتفع به وبفكره واستقامته وقلمه وجهاده المتواصل واستعلائه على مرغبات الدنيا ومرهباتها خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

الحمد لله

ما كان هذا القلم إلاّ الوعاء الذي حمل الفكر الذي أعيش له كما يريني إياه الإسلام بعونه تعالى، وقد أخذ الفكر اتجاهه وحمل معالمه الأولى من خلال معايشة أستاذي الجليل من كثب عبر العقود الماضية، ولن أبدأ الحديث مفصّلا عن ذلك، فجلّ ما أكتب يتحدّث ببعض ما أعطاه، فما كان فيه الصواب فبفضل الله تعالى أولا، وأحمد الله أن كنت تلميذا له فيه، وأمّا الزلل والخطأ، فمن نفسي، أستغفر الله تعالى عليه، وجزى الله خيرا كلَّ من يعين على استدراكه بنصيحة أو نقد أو تنبيه.

والعاقبة للمتقين

نبيل شبيب
حررت يوم: 19/2/1423هـ و1/5/2002م
وأعيد نشرها: 6/1/1428هـ و25/1/2007م
انظر أيضا: هذا المداد

نبيل شبيب

تقويم المقال : 4.54   –   عدد المشاركات : 11   –    ممتاز جيد جدا جيد عادي رديئ

مواضيع ذات صلة في قسم/أقسام :
شؤون خاصة


كتابة تعقيب بعد التسجيل فقط

طلب الرسالة الاسبوعية
همسة تحترق

ثمن فلسطين

- قال وزير الخارجية المصري إنّ الفلسطينيين سيحصلون بعد "السلام" على 40-50 مليار دولار
- ومن أراد استشراف المستقبل فلينظر إلى ما تحقق لمصر من وعد السادات عند عقد اتفاقات "كامب ديفيد"!


استراحة المداد

الحياة مفاوضات
 
كاتب وكتاب

العراق مشكلة ألمانية

جنتر بوتسي

صورة تتكلم

 
 

نبيل شبيب 2010-2001© Midadulqalam.info – Nabil Chbib
صاحب الموقع لا يحمل المسؤولية عن كتابات بأقلام أخرى ، ولا عن محتويات المواقع الشبكية التي يتضمن موقع مداد القلم تحويلة إليها .
الموضوع الذي لا يحمل اسم المحرر هو بقلم صاحب الموقع . يمكن النقل عن "مداد القلم" مع الإشارة إلى الكاتب والمصدر .