إسياس أفورقيلا يُستغرب انقلاب العلاقات الإريتيرية-الأمريكية من التعاون النسبي إلى العداء العلني، بل المستغرب أنّ هذا الانقلاب تأخر طويلا، فمع كلّ ما قدّمه أفورقي لواشنطون وقدّمته إليه في فترة تثبيته في السلطة، بقيت واشنطون تعطي الأولوية من قبل ومن بعد للدولة الحبشية المجاورة، بينما بقي العداء التاريخي الحبشي-الإريتيري تحت الرماد لعدّة سنوات، ثم انفجر قبل فترة وجيزة، ويأتي احتلال الحبشة للصومال أخيرا ليكتشف أفورقي أنّ الخطر بات كبيرا عليه، فيأبى التحالف مع الحبشة ومع من يسمّون "أمراء الحرب" في الصومال، تحت رعاية عسكرية وسياسية أمريكية، وإذا بواشنطون تعود إلى العلنية في ممارسة دورها القديم الجديد، وتظهر مع الحبشة عدوّا مباشرا لإريتيريا، وبالتالي لنظام حكم أفورقي المفروض عليها. ولكن ألا يحمل أفورقي نفسه المسؤولية الأكبر عن مأزقه الراهن، ليس من حيث العداء الأمريكي والحبشي، فهو عداء لإريتيريا نفسها لا ينحسر وإن استتر فترة من الزمن، بل من حيث تدميره هو للعلاقات بين إريتيريا وسائر الدول المجاورة الأخرى؟..
قرار دولي بصناعة أزمة أفورقي وزيناوي.. تحالف وعداء خدمات تبعية مرفوضة
قرار دولي بصناعة أزمة
لم يكن وصول إسياس أفورقي إلى حكم إريتيريا ثمرة الثورة الإريتيرية على امتداد ثلاثين عاما ضدّ الحكم الحبشي، بل كان نتيجة مناورات حبشية وغربية، أوصلته إلى السلطة، بعد أن أصبح واضحا للعيان في الثمانينات من القرن العشرين الميلادي، أنّ استقلال إريتيريا قادم لا محالة، آجلا أو عاجلا. والعداء الحبشي-الإريتيري عداء قديم، فلم تنقطع الحملات العسكرية بين الطرفين منذ دخل الإسلام إريتيريا في القرن الأوّل للهجرة، وانتشر انتشارا سريعا نسبيا. ورغم بدء انتشار الاستعمار الأوروبي لاحقا على أطراف القارة الافريقية، بقيت منطقة الحبشة معزولة نسبيا، إلاّ في فترة وجيزة في النصف الثاني من القرن الميلادي السادس عشر، عندما استعان فريق من أهل الحبشة بالبرتغاليين، ثم عادت الحبشة إلى عزلتها مرة أخرى، أمّا إريتيريا فقد تعاقب على السلطة فيها حكام محليون، ثمّ حكام من مصر في عهد الاستعمار البريطاني والسودان في عهد ثورة المهدي. ويبدأ التاريخ الحديث للمنطقة بظهور إيطاليا في إريتيريا، تجاريا عام 1869م، ثمّ عسكريا عام 1885م. وقد حاولت إيطاليا احتلال الحبشة ولكنّها هُزمت هزيمة مرّة في معركة عدوة عام 1896م، وعادت في عهد موسوليني فتمكّنت من احتلال كامل الأرض الحبشية عام 1935م، ولجأ هيلاسي لاسي الذي حكم الحبشة منذ عام 1930م، إلى بريطانيا، التي أعادته إلى السلطة عام 1941م قبيل هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية. وبدأت الصفحة الأولى من النزاع الإريتيري الحبشي بقرار دولي، إذ استقلت الحبشة ولكن بقيت بريطانيا في إريتيريا، وحصلت من الأمم المتحدة على "حقّ" الوصاية عليها، ولكن عند انتهاء هذا الانتداب عام 1952م، لم تحصل إريتيريا على استقلالها كما تقضي بنود الوصاية، بل أصدرت الأمم المتحدة وفق اقتراح بريطاني، قرارا يماثل قرارات عدائية أخرى عديدة تجاه الأقطار والبلدان الإسلامية، بأن يتشكل من إريتيريا والحبشة اتحاد فيدرالي، فسارع هيلاسي لاسي، المدعوم غربيا ولا سيّما من جانب لندن منذ لجوئه إليها أثناء الاحتلال الإيطالي.. سارع إلى فرض سيطرته العسكرية على إريتيريا فور الانسحاب البريطاني منها، ثمّ إلى "ضمّها" رسميا كمقاطعة حبشية في عام 1962م. وثار الإريتيريون على الفور، وكانت ثورتهم من البداية بروح إسلامية وبزعامة "جبهة التحرير الإسلامية" التي بقيت هي الطرف الرئيسي في ساحة القتال طوال ثلاثين عاما. وظهر للعيان أنّ استقلال إريتيريا بات محتّما، فأنشئت في وقت متأخر، بدعم إقليمي ودولي، جبهات أخرى، بأسماء ورايات ماركسية ووطنية، كان قوامها الرئيسي من الأقلية المسيحية، وإحداها جبهة التحرير الإريتيرية بزعامة أفورقي.

أفورقي وزيناوي.. تحالف وعداء
في هذه الأثناء بدأ ميليس زيناوي مع جبهته الحبشية تمرّدا مسلّحا في منطقة التيجر في الحبشة، ضدّ هيلاسي مريم وحكمه العسكري، وكان قد ورث السلطة عن "الامبراطور هيلاسي لاسي" في الثمانينات الميلادية. وبدا لفترة من الزمن أن التحالف بين أفورقي وزيناوي قائم على التقاء الطرفين على الماركسية والعقيدة المسيحية، ولكن أظهرت التطوّرات من بعد أن الطرفين أقرب إلى الارتباط بالغرب وزعامته الأمريكية، وأنّ الماركسية كانت شعارا أكثر منها اتجاها، إلاّ من حيث العداء للدين، ممّا ظهر في الحبشة وفي إريتيريا على السواء. واستقرّ تبنّي الاتجاه الغربي بوضوح مع سقوط الشيوعية ومعسكرها الشرقي ثم سقوط كثير من أتباعها في أنحاء العالم، ومنهم هيلاسي مريم في الحبشة. وكان ثمن صفقة الدعم الذي حصل عليه زيناوي من أفورقي ضدّ السلطة الحبشية، أن يتعامل معه من بعد طرفا -دون سواه- في مفاوضات "الاستقلال"، جنبا إلى جنب مع سلسلة حملات "غادرة" قادها أفورقي آنذاك لتصفية زعماء الثورة الإريتيرية والانفراد بالسلطة عام 1993م، عند استقلال إريتيريا بالفعل. وللحبشة نفسها تاريخها في عداء المسلمين في أراضيهم داخل الحدود الرسمية القائمة حاليا، وليس مجهولا أنّ المسلمين في الحبشة، الذين يصل تعدادهم حسب التقديرات الغربية إلى الثلث وحسب تقدير المصادر الإسلامية إلى النصف على الأقل، كانوا وما يزالون يعانون من الاضطهاد وهضم الحقوق والحريات الأساسية، دون أن يتغير شيء من ذلك رغم تعدّد الحكومات والاتجاهات التي سيطرت على السلطة في الحبشة، بما فيها عهد زيناوي الذي أفسح المجال أمام تعدّد الأحزاب، ولكن ليراعي وجود أكثر من 80 قوما وقبيلة في تسع مقاطعات يقطنها زهاء 57 مليون نسمة وتبلغ مساحتها حوالي عشرة أضعاف مساحة إريتيريا. كذلك منذ ثبّت أفورقي أقدامه في السلطة، انطلقت حملته العدائية للإسلام إلى درجة ممارسة سياسة القمع للمظاهر الإسلامية في الحياة اليومية لسكان إريتيريا، ثمّ شرع في خوض مغامراته العسكرية واحدة بعد الأخرى، وكانت إلى وقت قريب، بتشجيع ودعم أمريكي وإسرائيلي، فبدأ ضدّ اليمن مع نهاية عام 1995م، وانتقل للتحرّك ضدّ السودان عامي 1997 و1998م، إضافة إلى احتضان المعارضة السودانية في أسمرة، ثم كانت المغامرة العسكرية التالية ضدّ جيبوتي في نيسان/ إبريل 1998م، عندما استولت القوات الإريتيرية على مركز دوميرا الحدودي، وتوغلت بضعة كيلومترات داخل أراضي جيبوتي الواقعة تحت الحماية الفرنسية، ويعتبر هذا التحرّك أيضا جزءا من الخيار العسكري الذي أخذ أفورقي به، في التعامل مع النزاعات القائمة على الحدود مع الدول المجاورة منذ الاستقلال، فهنا أيضا أعلنت أسمرة عن اعتبار منطقة راشيتا بين إريتيريا وجيبوتي أرضا تابعة لإريتيريا. وبدأ بالطريقة نفسها بالتحرّك على جبهة الحبشة، بالإعلان عن ضمّ منطقة بادمي بين الحبشة وإريتيريا، والتي اندلعت المعارك فيها في منتصف أيار/ مايو 1998م، بعد سلسلة من المناوشات السابقة. ولكنّ "نزاع الحدود مع الحبشة" كان أوّل تحرّك قام به أفورقي بما يتناقض والسياسة الأمريكية التي التزم بها، وبقي ملتزما بها لاحقا.

خدمات تبعية مرفوضة
كان التحالف بين أفورقي وزيناوي مصلحيا، وكان لا بدّ أن تفترق المصالح ، وهذا ما بدأ بظهور الخلافات فور الاستقلال، على الصعيد الاقتصادي، وحول ميناء عصب وسعي الحبشة للحصول على ممرّ مضمون إلى البحر الأحمر، ثمّ بلغت التوتّرات مداها عندما فصل أفورقي العملة الإريتيرية عن الحبشية أواخر عام 1997م، وأعطى العملة الجديدة اسم "نفكا" الذي يذكّر ببلدة إريتيرية كان قد دمّرها الأحباش عن بكرة أبيها، هذا علاوة على النزاع على منطقة تحيط ببلدة بادمي على الحدود، ويرجَّح وجود ثروات معدنية فيها، وهنا اندلعت المناوشات العسكرية، ووصلت إلى درجة حرب مفتوحة. لم يكن لذلك الاقتتال علاقة باضطهاد المسلمين في الحبشة وقد أصبحوا مضطهدين في إريتيريا نفسها، إنّما كان أوّلا وأخيرا نتيجة مطامع فردية محضة من جانب أفورقي في السلطة، وفي تطلّعه إلى القيام بدور تبعيّ إقليمي يعطيه موقعا ما على خارطة صراع النفوذ في شرق افريقية، والذي سعت واشنطون سعيا حثيثا للإمساك بزمامه، وتثبيته على محور يجمع إريتيريا والحبشة وأوغندا ورواندا، ويشكّل مصدر تهديد مباشر للسودان، ومن خلال ذلك أيضا لمنابع مياه النيل بما يمسّ مصر مباشرة، فضلا عن الدور المستقبلي المحتمل له تجاه الجانب الآخر من البحر الأحمر حيث اليمن والسعودية. لقد تلاقت المطامع الأمريكية والإسرائيلية على هذه السياسة، التي انعكست بوضوح أثناء زيارة الرئيس الأمريكي السابق كلينتون للقارة الافريقية، كما سـبق أن انعكست في التعاون الفوري الذي بدأ به أفورقي مع الكيان الإسرائيلي مع استلامه منصبه، ثم أثناء احتلال جزيرة حنيش اليمنية للسيطرة على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. واستهدف أفورقي بالتحرّك العسكري على جبهة الحبشة إبراز إريتيريا في عهد كدولة إقليمية قويّة قادرة على تحدّ جيرانها، ولكن دون الخروج من سياسة التبعية نفسها، فالمطلوب هو اعتماده من جانب السياسة الأمريكية في شرق إفريقيا حليفا إقليميا، بعد أن بقيت تعتمد اعتمادا أكبر على أوغندا والحبشة، ولم تنقطع عن تفضيل الحبشة على إريتيريا فيما تقدّمه من قروض مالية ودعم عسكري، ومن ذلك تزويد جيشها -حوالي 120 ألفا- بعشرين طائرة مقاتلة من طراز ف-5 ومروحيات حربية، استخدمتها في قصف المدن الاريتيرية (ولاحقا الصومالية) وغير ذلك من العتاد، مقابل بقاء الجيش الإريتيري -حوالي 46 ألف مقاتل- معتمدا على التجهيزات "الروسية" القديمة من العهد الشيوعي في الدرجة الأولى، وما حصلت عليه جبهات المقاومة من السوق السوداء في السبعينات والثمانينات من القرن الميلادي العشرين. ولم تتبدّل السياسة الأمريكية آنذاك، وبقيت تحفظ قدرا من العلاقات مع أفورقي في حدود ما "يُستفاد" من تبعيّته، وتحفظ القدر الأكبر من علاقات الدعم العسكري في المنطقة مع زيناوي في الحبشة، ومع آخر الأحداث في الصومال، والتعاون الحبشي-الأمريكي الوثيق في محاولة التخلّص من الظاهرة الإسلامية التي طرحتها "المحاكم الإسلامية" بديلا عن سياسات "الحرب الأهلية وأمراء الحرب"، ظهر للعيان مدى ما وصل إليه تهميش وجود أفورقي إقليميا، وهو ما ساهمت فيه سياساته ومغامراته في السنوات الماضية تجاه سائر دول المنطقة، ممّا يجعل من قرار واشنطون أن تسقطه من حساباتها، أو تهدّده بذلك لانتزاع تعاون أكبر من جانبه في مواجهة "الظاهرة الإسلامية" في المنطقة، هذا وإن أصبح مثل ذلك التعاون أشبه بضربات يوجهها لنفسه في إطار العداء العسكري والسياسي القائم مع الحبشة المجاورة.
|