عندما نشر هذا الموضوع على ثلاث حلقات في الربع الأخير من عام 2002م في موقع إسلام أون لاين، لم تكن حرب احتلال العراق قد بدأت بعد، ولكن كانت قد بدأت المرحلة الأخيرة من الاستعدادات لها، فلا يمكن القول إنّها كانت مفاجئة للدول العربية والإسلامية، بل إنّ كثيرا من الخطوات التمهيدية للاحتلال لم تكن بعيدة عن مشاركة بعض تلك الدول فيها، مباشرة أو غير مباشرة، وفي الحالتين يبقى الثابت أن ما تعرّض له العراق منذ نهاية الحرب العراقية-الإيرانية، وبالتالي نهاية مرحلة دعمه غربيا لضرب "عدوّ آخر" للعالم الغربي، سبّب من النتائج ما لا يقف عند حدود العراق قطعا، كما هو مشهود هذه الأيام بعد مرور السنة الخامسة على حرب الاحتلال. وفي الوقت نفسه يمكن التأكيد، أنّ الهزيمة الأمريكية في هذه الحرب أصبحت واقعا قائما، ويجري البحث عن "إخراجها" بعد أن استحال تجنّبها، فإذا كانت الدول العربية والإسلامية قد امتنعت أو عجزت عن الحيلولة دون وقوع نكبة الاحتلال، فهل يمكن أن تستفيد من ثمرة التضحيات الكبرى التي قدّمها الإنسان العراقي، ومن انتصارات مقاومته رغم افتقاد الوسائل والإمكانات على أعتى عدوّ مدجّج بالسلاح، ووضع حدّ لعسكرة هيمنته في المنطقة الإسلامية، وبداية مرحلة انحسار هذه الهيمنة رغما عنه؟..
أولا- عصب الاقتصاد في بؤرة الأهداف العدوانية ثانيا- الحسابات النفطية من وراء العدوان ومن وراء معارضته ثالثا- مستقبل العراق ومخططات تخريبه العدوانية
أولا- عصب الاقتصاد في بؤرة الأهداف العدوانية
توضيح وتمهيد - أهمية الوجه الاقتصادي للعدوان - شهادات ومواقف - الخداع حول تخفيف الحصار - من علامات الانهيار الاقتصادي
ليس ما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية ضدّ العراق (2002م) مجرّد تحرّك سياسي-عسكري في نطاق لعبة الهيمنة العالمية، وليس هو من باب "انتقام الرئيس الحالي بوش الابن للرئيس الأسبق بوش الأب" ففي هذا من حصر الموضوع في نطاق شخصي ما يصوّر صناعة القرار العسكري والدولي في واشنطون وكأنه قرار "شخص" يزول بزواله، فتعود الأمور إلى طبيعتها، ويعود "السلام" إلى مكانته في الخارطة السياسية الأمريكية. هذا استغراق ساذج في واقع صناعة القرار السياسي الأمريكي وأبعاده وحقيقة القوى الحافظة لاستمراريته ما بين عهد رئاسي وآخر، ومن شأن هذا الاستغراق لفت الأنظار عن كيفية التعامل مع السياسات الأمريكية وصانعيها ومنفذيها.
توضيح وتمهيد إنّ ما صنعته وتصنعه الولايات المتحدة الأمريكية من قبل حرب الخليج الثانية حتى الآن وما تخطط لصنعه في قادم الأيام، هو عدوان مباشر بكل ما في كلمة عدوان من معاني حددتها مواثيق الشرعية الدولية، ونطقت بها النتائج الواقعية المرئية، وهو عدوان يمثل العراقُ بأرضه وشعبه، حاضرا ومستقبلا، الهدفَ المباشر فيه، وتمثل المنطقة العربية خاصة والإسلامية عموما الهدف الأبعد مدى، وبما يوجه "ضربة" مباشرة، في مقدّمة المطلوب منها الحيلولة دون أن تنتقل هذه المنطقة من مرحلة "إرهاصات" حضارية حالية على طريق النهوض، إلى مستوى من التقدّم والتحرّك يمكّنها من النهوض فعلا. وليس من السهل الكتابة في هذا الموضوع وفي الوقت الحاضر بالذات، لأسباب عديدة، منها: 1- أنّ الانسياق وراء لعبة الهيمنة الأمريكية في بلادنا العربية والإسلامية، وصل إلى مستوى "أمركة" كثير من المقاييس التي نستخدمها في التعامل مع قضايانا، بقصد أو دون قصد أحيانا، حتى أصبحت مواجهة عدوان أمريكي على بلد عربي بقول أو فعل، معرّضة لاستيعاب خاطئ، يصنّفها مثلا في خانة مناصرة استبداد قائم في ذلك البلد، كذلك فمن يعارض الاستبداد قد يواجه تلقائيا الاتهام بالارتباط بالأمريكيين وممارساتهم العدوانية، والمفروض أن نصل إلى مستوى من "السيادة" على أنفسنا يكفي لنزع "المنظار الأمريكي الصنع" لهذه القضايا وسواها، وللجمع في مثل قضية العراق، دون أي حرج أو تردّد ولا اتهامات وتكهنات، ما بين رفض الهيمنة الاستبدادية الأمريكية ورفض الهيمنة الاستبدادية الداخلية في وقت واحد. 2- العامل الثاني الذي يتطلب التوضيح عند الكتابة في هذا الموضوع في الوقت الحاضر بالذات (2002م)، هو أنّ أحداث الأرض الفلسطينية، التي تشهد حاليا مرحلة بالغة الخطورة في إطار المساعي الدولية والإقليمية المتواصلة من أجل خنق الانتفاضة والعودة إلى شبيه ما كان في سنوات أوسلو أو ما هو أقلّ منه مضمونا وأخطر منه مفعولا.. هذه الأحداث تنطوي على صيغة صهيوأمريكية للتعامل معها تعتمد اعتمادا لا بأس به على لفت الأنظار عن حجم الإجرام اليومي المتواصل في قضية فلسطين، عن طريق رفع مستوى سخونة الأحداث إلى أقصى درجة في مناطق أخرى، وهو ما بدأ في أقغانستان، وانتقل إلى العراق، وقد يندلع فجأة في جنوب السودان والقرن الإفريقي.. وهنا لا ينبغي إغفال أنّ متابعة سائر هذه القضايا وأمثالها في وقت واحد، أمر مفروض ومحتم، كما أنّ الانشغال ببعضها عن بعضها الآخر أمر مرفوض وخيم العواقب، فليس في العالم المعاصر حدث معزول بمجراه ونتائجه عن سواه. 3- يضاف إلى هذا وذاك صعوبة الاعتماد على أرقام ومعلومات موثوقة، فعلى غرار ما صُنع في سنوات مدريد وأوسلو مع قضية فلسطين، وعلى غرار ما صُنع قديما ولا يزال يُصنع في مسلسل الحرب الأمريكية المتواصلة ضدّ الإسلام ، مع تبديل العناوين حتى استقرّت على استخدام عنوان "الحرب ضد الإرهاب" في التغطية عليها.. على غرار ذلك اقترن العدوان المستمرّ ضدّ العراق على امتداد السنوات الماضية بعدوان أخطر على حرية الكلمة والتعبير والتفكير في معظم ما يتعلّق بهذه القضية، فمن جهة لا تصدر عن النظام القائم في العراق معلومات موثوقة بما فيه الكفاية للحديث عن حقيقة الأوضاع الاقتصادية والمالية والصناعية والصحية وغيرها، ومن جهة أخرى لا يسهل استخلاص المعلومات والأرقام الأقرب إلى الصحة من سواها من المصادر الغربية، إذ "يحاصر" العدوان الأمريكي الأقلام الإعلامية والفكرية حتى داخل الغرب، حصارا يُذكّر بالأسلوب النازي في الثلاثينات الميلادية، وقد بدأ بعض المثقفين والإعلاميين في الغرب نفسه يشكون من الضغوط الهائلة التي تمارس عبر شبكة المصالح المادية المهيمنة على الإعلام أيضا للحيلولة دون ظهور موجة استنكار إعلامية تشابه ما كان أثناء حرب فييتنام، وهذا ما تحدّث عنه مثلا ديفيد إدوارد، أحد كبار الصحفيين في بريطانيا، بعد تجربة مباشرة له مع جريدة جارديان البريطانية عند مرور عشرة أعوام على حصار العراق، فقال إن القاعدة المفروضة على الإعلاميين عبر الإعلام هي: (التشكيك ممنوع فيما نصنع) مشيرا بذلك إلى استمرار المشاركة العسكرية البريطانية في العدوان الأمريكي المتكرر ضدّ العراق. ويبدو أنّ أصحاب القرار يعلمون أن العدوان وصل إلى مرحلة تنذر بأن يواجهوا على صعيد الرأي العام شبيه ما واجهوه من قبل في المرحلة الأخيرة من حرب فييتنام، (استطلاعات الرأي الألمانية تتحدّث حاليا عن معارضة شعبية بين 76 و91 في المائة ضد حرب أمريكية تستهدف العراق)، ولعلّ التعجيل بعدوان عسكري شامل جديد ناشئ عن هذا الشعور بالذات. 4- وتتبع لما سبق الإشارة إلى أنّ المعلومات الواردة في هذا الموضوع، لا سيما الأرقام، هي خلاصة مقارنة مضنية نسبيا، بين عدد كبير من المصادر، منها مصادر رسمية وشبه رسمية غربية، مثل ما تذكره دوائر الحكومة الألمانية أو مؤسسات الإحصاء والمعلومات الموسوعية، كمؤسسة فيشر، ومنها مصادر منظمات رسمية وغير حكومية، كالأمم المتحدة والهيئات التابعة لها في قضية العراق، ومنظمة رعاية الطفولة/ اليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية، أو كمنظمة أطباء بلا حدود، وعدد لا بأس به من مجموعات "حركة السلام" التي بدأت تنشط في الغرب، مثل حركة "مبادرة بحوث السلام" في ألمانيا، وهي منظمات بدأت تزداد تحركا وفعالية مع ازدياد وحشية ما يجري بفلسطين من جهة ومع ازدياد حدّة التهديدات الأمريكية خطورة على العراق من جهة أخرى، بل وعلى الغرب نفسه.. هذا فضلا عن اعتماد المعلومات الواردة على مصادر إعلامية عديدة لا سيما ما يُنشر من ذلك في شبكة العنكبوت.

أهمية الوجه الاقتصادي للعدوان
من خلال الحديث عن الجانب الاقتصادي عموما، والجانب النفطي خصوصا، وعن الاحتمالات المستقبلية في الختام، يركز هذا الموضوع على وجه واحد من وجوه العدوان الأمريكي ضدّ العراق، غاب نسبيا في غمرة الحديث عن الجانب العسكري والجانب الإنساني، وكلاهما لا يستهان بأهميته. ولكن الجانب الاقتصادي بالذات يبين "عمق" العدوان نوعيا وزمنيا، وحجم العواقب المترتبة عليه وبالتالي حجم الجهود الكبرى الضرورية لمواجهته، فهذا الوجه من وجوه العدوان الأمريكي بالذات يعطي المثال المباشر على ما يعنيه القول إنّ واشنطون.. أو إنّ صانعي القرار من المسيطرين على عناصر المال والإعلام ومصانع الفكر والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، دخلوا فعلا في الساحة العسكرية لخوض "صراع الحضارات" بمعنى الكلمة. هذا بالذات ما تشير إليه مواقف بعض أنصار هذا العدوان من داخل ما يوصف بفئة المثقفين الأمريكيين، وهو ما ظهر مثلا في بيان نشروه مؤخرا، وكان حافلا بحملة شديدة ضدّ المثقفين الأوروبيين الذين تجاوبوا من قبل مع (نداء استغاثة فكري) لمثقفين أمريكيين آخرين ، طلبوا فيه في شباط/ فبراير 2002م، الدعمَ الأوروبي الفكري والإعلامي لمواجهة "استبداد آليات صناعة القرار الأمريكي" في قضية الحرب والسلام. وقد كان من بين الحجج الواردة على لسان أنصار الحرب باسم الفكر والثقافة، أنّ المثقفين الأوربيين لا يدركون ما يعنيه دخول "حرب حضارية كالتي تخوضها أمريكا حاليا".. وهذا ما وصفه كبير الأدباء السويسريين، آدولف موشج في مقابلة إذاعية (12/8/2002م) بأنّه لهجة في استخدام لغة الحرب والحصار (شبيهة بدفاع المثقفين الألمان قديما عن الحرب العالمية، ومتناقضة تماما مع موقف المثقفين الأمريكيين من حرب فييتنام في الستينات الميلادية، والتي كان السياسيون والعسكريون الأمريكيون آنذاك يسوّغونها بشعارات أخلاقية مخادعة أيضا).. وأضاف واصفا تعليل الحرب بصراع الحضارات وضرورة الدفاع عن الحضارة الغربية عسكريا بقوله (إن هذه الكراهية لحضارات الآخرين ليست إلا نظرة عنصرية محضة). لقد كان العدوان الأمريكي على العراق وما يزال متعدد الأشكال، ومن أبرز هذه الأشكال أنّه عدوان اقتصادي مقصود، في مختلف مراحله، منذ حرب الخليج الثانية، إلى سنوات الحصار المتتالية، وحتى الحرب المرجّحة بين عامي 2002 و2003م (والتي وقعت فعلا في آذار/ مارس 2003م). فإلى جانب العمل على ضرب مزيد من أوتاد الهيمنة المباشرة، إقليميا وعالميا، لم ينقطع العمل على توجيه ضربات مركّزة وشديدة على الصعيد الاقتصادي، واستهداف العراق بالذات، وهذا -بغض النظر عن سائر الاعتبارات الأخرى بما في ذلك نوعية الحكم القائم في العراق- إنّما هو استهداف بلد عربي إسلامي يمتلك المقومات ليكون قوّة اقتصادية بارزة، وبالتالي لأن يلعب دورا إقليميا وربما دوليا هاما. ويسري على حرب الخليج الثانية ما يسري على أيّ حدث كبير من حجمها، أنّها متعدّدة الأهداف من البداية، ومتعدّدة الحلقات والأشكال والمراحل، وربّما صدّق بعض السياسيين أو المحللين أو أظهروا التصديق في حينه، أنّ الهدف الرئيسي كان من تلك الحرب هو "تحرير الكويت"، ولكنّ مجرى الحرب نفسها، ثمّ ما تلاها، أسقط بمقاييس المنطق العسكري والسياسي البقية الباقية من الشكوك في أنّ تحرير الكويت لم يكن سوى ذريعة رسمية معلنة، من أجل تكوين "تحالف دولي" وتسويق الحرب إعلاميا وشعبيا قدر الإمكان، ولكن في اتجاه تحقيق أهداف أخرى، كتثبيت الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وتوجيه المنطقة نحو مرحلة خطيرة أخرى من مراحل تصفية قضية فلسطين، ولزعزعة ما بقي من مقوّمات أمن عربي مشترك يمكن أن يردع -ولو قليلا- مزيدا من التغلغل الصهيوأمريكي في الأرض العربية والإسلامية، فضلا عن إعطاء الولايات المتحدة الأمريكية مواقع إضافية على خارطة صناعة القرار الدولي وتنفيذه "من فوق" أجهزة الشرعية الدولية وشكلياتها، بل ومع تحويل تلك الأجهزة من "عقبات" كما كانت في الحرب الباردة، يجري تجاهلها غالبا، إلى أدوات يجري استخدامها بصور متعدّدة بما يساهم في تقويض مبادئ الشرعية الدولية نفسها، فيما يوصف بحقبة الزعامة الانفرادية، أو المرحلة الانتقالية ما بين "نظامين" دوليين. وكلّما تجدّدت لغة التهديدات الأمريكية، أو ارتفع دويّ القذائف تحت عنوان "مناطق حظر جوي" وازدادت الشكاوى من ضحاياها، تجدّد الحديث عن تلك الأهداف والنتائج، وقد يدور حول الجانب السياسي فتتقلّب به المواقف على حسب تقلّب السياسات الدولية والإقليمية، وقد يصدر عن منطلق إنساني وهو مطلوب قطعا، ولكن كثيرا ما بات يتخذ صيغةَ تغليبِ الدافع الإنساني على دوافع أخرى كحظر التسلّح، فيغطّي بقصد أو دون قصد على حقيقة أنّ حظر التسلّح عن بلد من البلدان هو بحدّ ذاته عمل غير مشروع، وأن التسليم به على مستوى المسؤولين في البلدان العربية والإسلامية كما لو كان من بدهيات السياسة الواقعية الحديثة، هو ضرب من ضروب الانتحار السياسي والأمني، وهذا ما لا يصنعه أحد من القوى الدولية التي "تطالب" بحظر السلاح من مستوى أسلحة الدمار الشامل خاصة ومن مستويات أدنى أيضا، عن بلداننا بالذات، وفي عصر "سيادة القوّة" الراهن بالذات، ومع مضيّ الجهات "المعادية" في القضايا المصيرية لبلادنا، على درب التسلّح بمختلف أنواعه دون رادع. الجانب الإنساني في مأساة العراق لا ريب فيه ولا يصحّ إهماله، ولكن لا يصحّ أن يتحوّل إلى "وسيلة إلهاء" عن الجوانب الأخرى، على الصعيد الأمني والسياسي، وكذلك من زاوية أنّ الحصار الاقتصادي بحدّ ذاته مرفوض، وأنّه لا يزهق الأرواح بالملايين فحسب، بل يضع "الجذور" لاستمرار إزهاق أرواح المزيد، من خلال تدمير الطاقة الاقتصادية والثروات الذاتية لبلد بكامله، وبما يعرّض مستقبل شعبه ومستقبل المنطقة معه إلى مختلف أخطار التخلف والفقر وعواقبهما. هذا ممّا يفرض التأكيد أن ما ينبغي توجيهه من اهتمام إلى الجوانب الإنسانية، والسياسية، والأمنية، في الحرب العدوانية الأمريكية الجارية منذ عام 1990م، يقتضي أيضا توجيه اهتمام مماثل إلى ما يعنيه الهدف العدواني الخطير على الصعيد الاقتصادي بالذات، وما يصنعه في مجمل خارطة التقدّم والتخلّف في المنطقة، وما ينبني على ذلك في مختلف الميادين المستقبلية المترتبة على مسيرة النهوض المطلوب لشعوبها. وسبق أن وصلت القوّة الاقتصادية العراقية الصاعدة خلال الثمانينات الميلادية إلى مستوى وضع العراق لفترة من الزمن في مصاف ما يُعرف بدول النمور في جنوب شرق آسيا، وهذا في حقبة زمنية من المعروف فيها أن عنصر المال والاقتصاد فيها بات من أهمّ عناصر القوّة وبالتالي صناعة القرار عموما، إقليميا وعالميا. ومن هنا لم يكن ضرب الاقتصاد العراقي مجرّد "نتيجة جانبية" من نتائج القتال، بل كان مع استئصال قوّته من الجذور في مقدّمة العلامات المميّزة لمختلف مراحل الحرب العدوانية الأمريكية، وبمختلف أشكالها العسكرية في فترة حرب الخليج الثانية، وفي عدوان عام 1998م، وفي الغارات العدوانية شبه اليومية شمال العراق وجنوبه، وكذلك بأشكالها الأخرى غير العسكرية، والتي توضع قوالبها عبر مجلس الأمن الدولي وخارج نطاقه. كذلك ما يزال استهداف الاقتصاد العراقي مستمرا كهدف رئيسي فيما يجري الإعداد له من جولات عسكرية قادمة، ومن مخططات علنية لرسم معالم خارطة سياسية له من خارج حدوده.

شهادات ومواقف
ذكر تقرير بعثة "هيئة برنامج البيئة" التابعة للأمم المتحدة، بعد قيامها باستقصاء الحقائق في العراق في آب/ أغسطس عام 2000م، أن الدمار الحربي شمل مختلف الميادين وأن المقاطعة سببت مقتل أكثر من مليون وخمسمائة ألف إنسان في العراق، وطالب رئيس اللجنة مارك بوسيوت آنذاك بإنهائها. وشبيه هذه المواقف تؤكّده جهات عديدة أيضا، منها مثلا (وباختصار شديد): - عالم القانون الدولي الألماني في هامبورج "نورمان بيش" الذي يشير إلى أن عدم إلغاء مجلس الأمن الدولي للمقاطعة يعني انتهاكه للقانون الإنساني الدولي الملزم له ولقراراته.. - يوتا بوخاردت، التي كانت من المسؤولين باسم الأمم المتحدة في مهمّة تنسيق ما يسمّى "اتفاقية النفط مقبال الغذاء".. - يوآخيم جيلارد، مؤلّف كتاب "العراق.. بلد تحت الحصار"، الصادر في أيار/ مايو 2001م، والذي يصف الموت الجماعي الذي يسببه الحصار بأنه جريمة إبادة جماعية. وقد استمر ضرب المنشآت العامة والمصانع مع استمرار التقتيل والتدمير تحت عنوان "منطقتي الحظر الجوي" والغارات الجوية العدوانية التي لا ينكر أحد سوى قادة الحرب في واشنطون ولندن أنها مخالفة للقانون الدولي، وهذا إلى جانب استمرار "حصار التجويع" حتى انضّم إلى معارضي الحرب العدوانية الأمريكية: - وزير الخارجية الأمريكي الأسبق لورنس إيجليبورجر (من عهد بوش الأب) ومستشار شؤون الأمن القومي الأسبق برنت سنوكروفت (وهو من عهد بوش الأب أيضا) ووزير العدل الأمريكي السابق رامسي كلارك، وعالم الاجتماع الأمريكي نوآم تشومسكي، وفريق من أبرز الإعلاميين مثل جون بولجر وروبرت فيسك، فضلا عن هانس فون سبونيك الذي استقال عام 1998م من منصبه مبعوثا للأمم المتحدة واصفا ما يجري ضدّ شعب العراق بأنّه (إبادة جماعية)، أو الكاتب الأمريكي ديفيد كرومويل، الذي يعتبر ما تصنعه الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، (حلقة معاصرة في مسلسل أسود بدأ بإبادة الهنود الحمر واستعباد السود بعد جلبهم كرقيق من القارة الإفريقية)، ويمكن ذكر المزيد، ممّن شارك مثلا مع مائتي منظمة غير حكومية في نداء مشترك لإنهاء المقاطعة نُشر في "هارالد تريبيون" يوم 20/3/2000م. ويلفت النظر أنّ معظم من اشتغل في مهام تابعة للأمم المتحدة داخل العراق، يقف الآن موقف المعارضة الشديدة للخطط العسكرية الأمريكية، وكان كثير من هؤلاء لا سيما من بعثات ما سمّي "التفتيش على الأسلحة" هم أنفسهم من تستشهد واشنطون بمواقفهم لمتابعة إجراءات الحصار العدوانية ضدّ العراق. كما يلفت النظر أنّ من بين من وردت أسماؤهم من "المعارضين" لحرب عدوانية جديدة، كانوا ممّن يحملون "مسؤولية" المشاركة في صناعة القرارات في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بوش الأب الذي بدأ التحرّك ضدّ العراق وفي نطاق ما أسماه "نظاما عالميا جديدا"، وكأنّهم لا يملكون إعلان مثل هذا الموقف المعارض إلا بعد التحرّر من "آلة" صنع القرار الأمريكي نفسها.

الخداع حول تخفيف الحصار
كان الحصار الطويل الأمد يركّز على كلّ ما من شأنه إنعاش الوضع الاقتصادي، بدعوى حظر موادّ ومعدّات يمكن أن تفيد تقنيا في صناعة عسكرية، وكان الحصار شاملا دون أي استثناء حتى للأدوية والمواد الطبية، من عام 1990 حتى نهاية عام 1996م، ففي الشهر الأول من عام 1997م كانت شحنة "الغذاء" الأولى بموجب ما سمي "النفط مقابل الغذاء" وفي الشهر الخامس من العام نفسه كانت شحنة "الأدوية" الأولى، وقد شهدت تلك الاتفاقية 12 مرحلة، آخرها للفترة من أيار/ مايو إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2002م، ولم تشمل "ترخيصا" باستيراد معدّات لإصلاح بعض المنشآت النفطية فقط إلا عام 1998م بموجب القرار رقم 1175. 1- ولكن الاتفاقية نفسها لا تكاد تعني شيئا في إطار الحصار الذي بدأ بالقرار رقم 661م وتضمّن (عقوبات شاملة لم يسبق لها مثيل في تاريخ التعامل الدولي).. 2- وحتى رفع الحدّ الأقصى الذي تقرّر في البداية كسقف مرخّص به لتصدير النفط الخام، لا يغيّر من حقيقة أن فساد المنشآت النفطية جعل من المستحيل على العراق أن يصدّر الكمية "المصرّح" بها بصورة كاملة، فبقي هذا "التخفيف" حبرا على ورق .. 3- وكان من الملاحظ أن ارتفاع حجم العائدات المالية من حوالي مليارين و150 مليون دولار في المرحلة الأولى لتطبيق الاتفاقية إلى ثمانية مليارات و300 مليون دولار في المرحلة الثامنة، عاد إلى الهبوط في المراحل الثلاث التالية إلى زهاء أربعة مليارات و589 مليون دولار. 4- يضاف إلى ما سبق: خلال الفترة من مطلع عام 1997 إلى منتصف عام 2002م لتطبيق "الاتفاقية" طلب العراق استيراد أغذية وأدوية ومعدات بقيمة 35 مليار دولار، ووصل بالفعل ما قيمته 23 مليارا و300 مليون دولار، وكان الرفض نصيب ما قيمته 5 مليارات و200 مليون دولار.. 5- ولكن الاتفاقية المعنية تمنع استيراد أي معدّات بقيمة تزيد على (300) مليون دولار لكل مرحلة، بينما تقدّر المصادر الدولية ما يحتاج إليه إصلاح المنشآت العامة فقط لتعود إلى سابق عهدها بما يتراوح بين 50 و100 مليار دولار.. 6- كذلك تبدو القيمة الحقيقية للاتفاقية وحجم الخداع المتصل بها من زاوية أخرى، فالمفروض نظريا أن يكون العراق قد حصل في الفترة بين 1997 و2002م، على 52 مليار دولار، ولكن ذهب منها على الفور 25 في المائة تحت عنوان (تعويضات) فبقي 39 مليارا، ثم تولت الأمم المتحدة حصة شمال العراق حيث يعيش الأكراد خارج نطاق السلطة المركزية، بنسبة 15 في المائة من العائدات، فبقي 31 مليارا و200 مليون دولار، كما حصلت الهيئة الدولية على نفقات موظفيها وإدارتها وتنسيقها، بنسبة 3 في المائة، فبقي في الحصيلة أقل من 30 مليارا.. 7- هذا المبلغ (المتبقي من ثمن تصدير نفط عراقي) هو المخصص لشراء أغذية وأدوية ومعدات للشعب العراقي.. وهو مبلغ يعادل أقل من 120 دولارا في السنة للفرد العراقي الواحد من سكان العراق، أو ما يعادل 22 سنتا يوميا، أي ما يعادل بدوره 22 في المائة ممّا تعتبره الأمم المتحدة يمثل الحدّ (القاتل) من مستويات الفقر والجوع وهو الدخل الوسطي بقيمة دولار في اليوم، على النحو الرهيب المنتشر مع المجاعات والأوبئة في القارة الافريقية جنوب الصحراء الكبرى. 8- وعلى أرضية الواقع يعني ذلك أنّ الحصة المقنّنة من الغذاء التي توزعها السلطات في وسط العراق وجنوبه اعتمادا على ما يسمّى "برنامج النفط مقابل الغذاء" لا تكفي أكثر من عشرين يوما من الشهر، كما يقول بروفيسور أولريخ جوتشتاين، الذي كان ثماني مرات في العراق، ونشر مقالا عن مشاهداته في العدد الثالث من المجلة الفصلية "مجلة السلام" الألمانية عام 2002م، وقد جاء فيه أيضا، أنّ هذه الحصة المذكورة من الأغذية لا تحتوي لحما، ولا بيضا، ولا مشتقات الألبان، ولا فواكه أو خضارا، ومن أراد أن يشتري بنفسه شيئا من ذلك، يجد نفسه عاجزا، فقيمة كيلوجرامين من اللحم مثلا تعادل أجر شهر كامل، وهذا في حال القدرة على العمل أصلا، فالبطالة بلغت 80 في المائة على وجه التقدير، أما وسطي أجر العامل فهو في حدود 2500 إلى 5000 دينار عراقي شهريا، أي ما يعادل دولارا أو دولارين، ويحصل "الطبيب في المستشفى" على ضعف هذا المبلغ تقريبا. أما الحديث عن تطوير ما سمّي "اتفاقية النفط مقابل الغذاء" مرحلة بعد مرحلة حتى أصبح فيها الكثير من التخفيف من القيود المفروضة عبر الحصار، وهو "الردّ الرسمي الأمريكي والبريطاني" المتكرّر على المطالبة بإلغاء المقاطعة أصلا، فهو حديث مخادع أيضا.. - فليس صحيحا أن التخفيف يشمل مثلا إصلاح منشآت الإنتاج الصناعي بعد أن هبط حجم الإنتاج إلى أقل من 12 في المائة من الطاقة الإنتاجية الصناعية المتوفرة في الأصل.. - وليس صحيحا أن التخفيف يشمل مثلا تمكين أهل العراق من الاعتماد على إنتاجهم الزراعي الذاتي عبر التمكين من استيراد معدّات يحتاج إليها إصلاح الاقتصاد الزراعي في بلاد تبلغ نسبة الأراضي الصالحة للزراعة فيها زهاء 13 في المائة منها زهاء 64 في المائة مروية، ولكن منشآت الري بالذات تعرّضت لتدمير الآلة الحربية الأمريكية وللتلوّث المباشر، مثلما يتعرّض إصلاحها لآلة الحصار الحربية الأمريكية.. - لقد بقي الحصار الشامل مستمرا يمنع استيراد أيّ شيء أو تصديره، دون استثناء، لمدة سبع سنوات، ثم كان الترخيص بنسبة أقل من الحاجة اليومية للغذاء والدواء في السنوات التالية، ويضاف إلى ذلك عدم الترخيص بأي معدّات إنتاجية، ولا قطع غيار لمعدّإت إنتاجية، خارج إطار حدّ أدنى يرتبط بصورة مباشرة بمنشآت استخراج النفط وتصديره، وبالقدر الذي يسمح بضخّ ما يكفي من المال للتعويضات ويراد أن يكفي أيضا للحديث المخادع عالميا عن وجود "عنصر إنساني" عبر التمكين من شراء بعض الأدوية والأغذية في إطار العقوبات المفروضة. وتبقى الإشارة إلى أنّ ما سمّي "عقوبات ذكية" أيضا، ورفضته الحكومة العراقية، لا يتجاوز نطاق ما سبق إلا في حدود ضيّقة جدا، وهذا ما تؤكّده جهات اطّلعت على فحوى قائمة "المواد التي يرخّص باستيرادها دون سواها" والتي جمعها المشروع الأمريكي-البريطاني تحت هذا العنوان في ملّف يزيد حجمه على 300 صفحة، فيشير جيلارد صاحب كتاب "العراق.. بلد تحت الحصار" بهذا الصدد مثلا إلى أنّ تلك العقوبات "الذكية" تمنع من تصدير أي مادة سوى النفط الخام، كما تمنع الحصول على استثمارات خارجية، أو قروض مالية، أو عملات أجنبية.

من علامات الانهيار الاقتصادي
لقد حققت مرحلة العدوان العسكري الأولى عام 1991م ثم عدوان الحصار المستمر عبر 12 سنة تالية نسبة كبيرة من الهدف الاقتصادي المطلوب من هذه الحرب: 1- كان الناتج الاجتماعي العام (حصيلة قيمة المنتجات والخدمات في مختلف القطاعات) يعادل أكثر من 60 مليار دولار في العراق عام 1990م وهبط في العام التالي للحرب بنسبة 63 في المائة، وواصل الهبوط حتى وصل في هذه الأثناء إلى حوالي 13 مليار دولار فقط (للمقارنة: سورية حوالي 15 مليار دولار حاليا، عدد سكان العراق أقل من 24 مليون وعدد سكان سورية حوالي 16 مليون نسمة) 2- كان وسطي دخل الفرد في العراق يناهز 3200 دولار عام 1990م وهبط في السنوات التالية إلى أقل من ألف دولار سنويا، وتقول المصادر الغربية إنه حاليا في حدود 2200 دولار، وقد يكون ذلك من باب الحرص على تخفيف وطأة الحديث عن آثار الحصار شعبيا، لا سيما أن الرقم يمثل حصيلة "قيمة مبيعات النفط" على عدد السكان، ولا يراعي حتى اقتطاع 25 في المائة منها تحت عنوان تعويضات، والأرجح أن الرقم الحقيقي لوسطي دخل الفرد أدنى من ذلك بكثير، لا سيما وأن منظمات حقوق الإنسان تتحدث عن مناطق يهبط وسطي الدخل الفردي فيها إلى ما يتراوح بين 10 و20 دولارا في الشهر الواحد، وعن أجر مالي للعامل العادي دون ما قيمته دولاران (5000 دينار تقريبا) شهريا كما سبقت الإشارة. 3- وقد كانت نسبة النمو الاقتصادي السنوي في العراق قبل حرب الخليج الثانية في حدود 13 في المائة، وهي نسبة عالية تتجاوز معظم ما يوصف بالدول النامية الناهضة كدول النمور، كما تجاوزت الصين الشعبية التي يوصف تطوّرها الاقتصادي بأنه أشبه بالمعجزة، ويبلغ وسطي النمو الاقتصادي في الغرب في فترات الازدهار حوالي 3 في المائة، أما في السنوات التالية فرغم عدم نشر أرقام رسمية يمكن الاعتماد عليها، يرجّح أن نسبة النمو الاقتصادي كانت عكسية، أي أن العراق شهد انكماشا اقتصاديا، لا سيما في فترة ارتفاع نسبة التضخم إلى أكثر من ألف في المائة، وهو ما استمرّ حتى عام 1994م، أي إلى درجة الإشباع تقريبا، وما زال التضخم في حدود 60 في المائة. إن ضرب العراق سابقا، وتوجيه مزيد من الضربات إليه لاحقا، لا يمثل بحال من الأحوال، عداء أمريكيا طارئا لأسباب طارئة تجاه نظام "استبدادي" قائم فيه أو "عدواني" في منطقته، ولا يمثّل مجرّد انتقام "شخصي" لجورج بوش الابن لأبيه (وفي هذا إشارة بالغة الأهمية إلى أنّ سكوت الدول العربية والإسلامية، او مشاركتها مباشرة وغير مباشرة، في عمليات المقاطعة والحصار، التي بدأت ضدّ شعوب ودول أخرى، كما في فلسطين وسورية والسودان وإيران، يحمّلها مسؤولية كبرى، عن وقوع تلك الجريمة، واستفحال نتائجها تدريجيا، وامتداها إلى المنطقة حولها، حتى وإن لم توصل إلى حروب عدوانية وحروب احتلال جديدة). إنّ الهدف من ضرب العراق لا يقتصر فقط على استكمال حلقات إضعاف المنطقة من أجل مرحلة جديدة على طريق تثبيت الهيمنة الصهيونية الشريكة للهيمنة الأمريكية، إنّما يستهدف ضرب العراق أيضا توجيه ضربة مركّزة لمكمن رئيسي من مكامن نهضة اقتصادية للمنطقة، وهذا من منطلق الاقتناع الأمريكي بأنّ النهوض الاقتصادي شرط من شروط النهوض على مختلف الأصعدة الأخرى. ولكن ماذا عن النفط الخام؟.. وما موقعه في الحرب العدوانية الأمريكية هذه؟..
|