|
نسخة للتحميل بصيغة (Word) نسخة للتحميل بصيغة (PDF)
نشرت الفصول الثلاثة الأولى من هذا البحث على حلقات في مجلة "الرائد" عام 1400هـ (1979-1980م) هذه الطبعة الشبكية (الألكترونية) منقحة (1429هـ و2008م)، مع استكمال البحث بالفصل الرابع
المحتوى
تمهيد الطبعة الشبكية تمهيد تساؤلات مريرة - محتوى البحث الفصل الأول: الجهر بالحق وقضية الحكم بين العلماء والحكام - بين العامّة والحكام - التبعية للظالمين الفصل الثاني: الجهر بالحق بين العلماء والعامّة مسؤولية العلماء أكبر - مسؤولية العامّة أيضا - تعميم المسؤولية على المسلمين والمسلمات - صور تطبيقية من العهود الأولى - الجهر بالحق في قضايا الحكم الفصل الثالث: لماذا لا نجهر بالحقّ دائما؟.. العلّة في الخوف لا الجهل - "التقية".. وتعليل الخوف - شواهد ونماذج تاريخية - هل "الضعف" عذر؟.. - بين الطاعة والمعصية - الطمع في "الثمن القليل" - الأجر على الله وحده - مخاطر الطمع أكبر من مخاطر الخوف - الحدود الواجبة بين العلماء والحكام الفصل الرابع: كيف نجهر بالحق؟.. بين القول والتطبيق - استشعار المسؤولية - مقاييس ومعايير: (1) الغاية.. رضوان الله (2) العلم.. بقدر المطلوب (3) الجهة المستهدفة (4) الهدف المباشر (5) المعطيات والظروف (6) الأسلوب
تمهيد الطبعة الشبكية (رجب 1428هـ و2008م)
أول ما نشر هذا البحث تحت عنوان "الجهر بالحق" كان على حلقات في مجلة الرائد، ابتداء من أواخر عام 1399هـ و1979م، ومع إعادة النظر فيه بعد زهاء ثلاثين عاما، لنشره في نسخة شبكية (ألكترونية) طرح السؤال نفسه عن قابلية تعديل الأسلوب، فهو أوّل ما يتطوّر عادة مع تقدم العمر، وأكثر ما يقال بهذا الصدد أن الحماسة تغلب على أقلام الشباب، ثم يزداد التروّي مع تقدّم العمر!.. هذا صحيح.. على أنّ ممّا نشكو منه عبر جيل كامل هو انتشار دعوات "ملغومة"، بنت على منطلق خاطئ، ابتدع أصحابه وجود تناقض بين لسان الوجدان ولسان المنطق، وزعموا استحالة الجمع بينهما، ووضعوا لسان الوجدان بحجة "حماسته" في قفص الاتهام، وصبّوا عليه من الحملات ما لا يمكن اعتباره منطقيا ولا موضوعيا ولا منهجيا ولا عقلانيا، إلا في حالات نادرة، فكانت الحصيلة المرئية موات الوجدان نسبيا وتخبّط المنطق أيضا، فكثير ممّا تفجّر من أزمات ونكبات معروفة مشهودة، مرئية رأي العين، أصبحت الحلول الناجعة له معروفة مطروحة، إنما نفتقر على أرض الواقع إلى التعامل معها وجدانيا ومنهجيا على السواء. إنّ موات الوجدان يغتال فعالية المنطق، وإن التركيز المنحرف على الموضوعية والمنطق-وهما ضروريان دون ريب- يغتال مفعول الوجدان، وما أحوجنا إلى هذا وذاك معا.
لم يدخل تعديل على أسلوب قلم كان صاحبه في الثلاثينات من العمر، ولم يدخل تعديل أيضا على المحتوى، فهو كما هو باستثناء إضافة الفصل الأخير، الذي شغلت عن كتابته واستكمال البحث به أمور عديدة في حينه، أي قبل زهاء ثلاثين عاما، فأضيف إلى هذه النسخة الشبكية لإنزالها في مداد القلم. وقد تساءل كاتب هذه السطور أثناء مراجعة المحتوى بعد هذا الزمن الطويل: أليس من مآسي المسلمين المعاصرة، أنّ الحاجة إلى بعض المواضيع تبقى قائمة زمنا طويلا دون إدخال تعديل عليها؟. ليس المقصود هنا أنّ المضمون ذو قيمة ثابتة باستناده إلى القرآن الكريم والحديث الشريف، إنّما المقصود أنّ كثيرا ممّا نقوله ونقتنع بصوابه، لا يجد التطبيق على أرض الواقع، فلا يتحقق التغيير المستهدف به، فنجد أنفسنا في حاجة إلى "التكرار"، رغم طول الفترة الزمنية، وعلى أمل أن يصنع جيل الشبيبة المعاصر ما لم يصنع الجيل الذي كان فيما مضى جيلَ الشبيبة. على أنّ في القول بعدم حدوث تغيير شيئا من ظلم أنفسنا أو على الأقل عدمَ تقدير الأمور على حقيقتها. فعندما نرجع بالذاكرة ربع قرن عبر التاريخ المعاصر، ثمّ ننظر فيما حولنا هذه الأيام، نجد شعلة أمل كبير في الصحوة الإسلامية المعاصرة، وقد ازدادت انتشارا على صعيد مختلف الفئات السكانية في البلدان الإسلامية، لا سيما في صفوف جيل المستقبل، من الشباب والشابات، بنسبة عالية، وهؤلاء هم الذين يثيرون الأمل في أن تتحقّق على أيديهم الأهداف الجليلة، والجهر بالحق من الوسائل الحتمية للوصول إليها، وليس هو إلا ما نطلق عليه وصف التعبير عن الرأي الحر مع الحرص على الالتزام بالحق ومعاييره وضوابطه. إلى هؤلاء من جيل المستقبل تتوجّه كلمات موضوع: الجهر بالحق، وعليهم ينعقد الأمل في أن يعايش المسلمون بعد جيل واحد على أبعد حدّ، ما وعدهم به الله عزّ وجل من نصرة وعزّة ومنعة، إذا ما حقّقوا في أنفسهم شروط التمكين في الأرض، فالتزموا الصراط المستقيم، وتجنّبوا السبل المتشعبة على كلّ منحدر خطير وفي كل واد عميق.
تمهيد تساؤلات مريرة - محتوى البحث
تساؤلات مريرة
ننطلق من الإسلام ومن الشخصية الإسلامية وكيف ينبغي أن تكون أولا، ولا يخفى أن قول الحق هو ما ينتظر من كل إنسان سوي، مسلم وغير مسلم، فنتساءل: المسلم الحقّ لا ينطق إلاّ حقّا، فما بالنا نجد الذين يجاهرون بباطلهم -حتى باسم الإسلام نفسه- أضعاف مَن يجهرون بالحقّ، في كلّ مكان وميدان؟.. المسلم الحق لا يخشى في الله لومة لائم، فما بالنا نجد الخوف آخذا بكثير من النواصي، فهي تخضع لكل طاغوت من دون الله عزّ وجل، وبكثير من الأقدام فتتبع الأهواء والمصالح على كلّ طريق إلا الطريق المستقيم؟.. المسلم الحقّ يربّيه إسلامه على البصيرة النافذة، والحكمة البالغة، والجرأة المغيّرة، والقوّة المانعة، والحجّة الدامغة، فما بالنا نرى القليل من النماذج لهذا المسلم، ونرى الكثير من النماذج للإمّعة عن معرفة أو جهل، والمتهوّر عن إخلاص أو طيش، والمتردّد عن هوىً أو جُبن، والمستضعَف في فكره ووجوده، الصامت حيث يُفرض عليه الصمت إكراها أو حتى حيث لا يُستكره على الصمت أصلا؟.. هل الإسلام والمسلمون بخير، فلا حاجة بنا إلى الجهر بالحقّ كما ينبغي، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في كلّ حال ومقام، أم أنّ من شرّ ما ابتُلي به المسلمون في حاضرهم الحافل بالأرزاء هو هذا الإحجام عن أداء واجب التغيير بكلمة الحقّ على الأقلّ، ودعنا من الواجب الأعظم للتغيير باليد على كلّ مستطيع؟..
إنّ الصدور.. صدور كثير من المخلصين حافلة بهذه الأسئلة وأمثالها، نلقيها على بعضنا بعضا في كثير من المناسبات، وبمختلف الصيغ، وعبر مختلف الوسائل، ولكن نقتصر في الحديث عنها على جلسات أو اجتماعات محدودة، غالبا ما تضمّ طائفة من المسلمين العاملين لدينهم، وغالبا ما يطمئن هؤلاء أنفسهم والصدور المتسائلة بالإشارة، التي تتضمّن المبالغة، إلى بعض المجالات الصغيرة أو الجانبية التي يُجهر فيها بالحقّ عاليا، أو بعض الأمثلة المحدودة عددا، للجهر بالحقّ في قضايا كبرى، إنّما دون أن تغيّر تلك الأمثلة الكثير من جذور الواقع الفاسد القائم. ربّما حلّق بعضنا بنفسه في أجواء سامية، مع قصص الرعيل الأول ومن سار على دربه من بعده، وكأنّ قصصهم كانت من أجل أن تغيّر الواقع في عصرهم، وأصبحت في حياتنا لتخديرنا عن تغيير الواقع في عصرنا، بما يمنعنا من تحديد المقاييس للجهر بالحقّ بأنفسنا، للالتزام بها ولممارسة ذاك الواجب الملقى على عاتقنا نحن بالذات، في هذا العصر بالذات، جهرا بالحق ودعوة للجهر به كما ينبغي، وليسمّه من شاء بحرية التعبير، فليست التسميات هي الأهمّ في هذا الموضوع. الأسئلة كثيرة، ومعظمها صادر عن شعور بالمرارة إزاء الواقع الراهن، والأجوبة في غالب الأحيان جاهزة، غير أنّها إمّا أن تصدر عن حماسة متدفّقة وتقف عند حدودها لا تتجاوزها إلى واقع الحياة، أو أن تتضمّن أعذارا قاتلة للحماسة، موهنة للعزيمة، مبعدة السائل والمسؤول عن أصل القضية المعنية، وربّما انحرفت بهما انحرافا كبيرا وخطيرا عن غاية الإسلام العظيم في تحديد معالم واجب الجهر بالحق والتأكيد عليه. وكثيرا ما نجد من يحمّل مسؤولية افتقاد الكلمة الصائبة المغيّرة لكلّ الناس، إلاّ نفسه، فهذا يقول إنّ الجهر بالحق واجب العلماءِ والعلماءُ مقصّرون، وذاك يقول إنّ تقصيرهم ناتج عن أنّهم لا يجدون من عامّة المسلمين ما يكفي من النصرة والتأييد.. هذا يقول دع الجهر بالحق حتى تستيقن النصر في هذه الحياة الدنيا، وذاك يقول اجهر بكلمة الحقّ في كلّ ميدان ومكان إلاّ في مقام السياسة والحكم، وكأنّه مقامٌ محرّمٌ قول الحقّ فيه!.. أين في ذلك كلّه ميزة التعامل مع الله أولا، والتي يحقّقها ويوجدها فينا -إذا صحّ وصدق- إيمانُنا بالله؟.. وأين ميزة التوازن والاعتدال التي نعرفها عن إسلامنا، وهو الدين الشامل لكلّ مجال من المجالات؟..
محتوى البحث
إنّ الموقف الحق في هذه القضية ليتبيّن بالبحث العلمي والنظر الموضوعي الإسلاميّيْن، وبالخبرة العملية في ميدان الدعوة. وإنّ الكثير من الشباب المسلم المقبل على دعوته بإخلاص، لَيحتاج إلى بيان معالم واجب الجهر بالحق في صورة محدّدة، وبيان المقاييس والمعايير اللازمة لممارسة الواجب بصورة هادفة واضحة، حتى نضبط أنفسنا وأقوالنا وتقويمَنا لكثير من المواقف والجهات والأوضاع، وحتّى نرجع إلى ذلك كلّه في تعاملنا مع بعضنا وتعاملنا مع كافّة الناس. وهذا البحث الموجز، محاولة لاستخلاص تلك المعالم والمقاييس والمعايير من القرآن الكريم والسنة المطّهرة، يسترشد للإيضاح والتفصيل بمواقف من كانوا -ولا يزالون- موضع الثقة العامّة بعلمهم وإخلاصهم وموضع الاطمئنان العامّ إلى سلوكهم وأعمالهم، ممّن يحدّثنا التاريخ عنهم، أو من نعاصر نماذج لهم في تاريخ أمّتنا الحديث. وليس الهدف من البحث الوصول إلى نتيجة منهجية "نظرية" فحسب، بل يراد في الوقت نفسه إحياء قضية الجهر بالحق في فكرنا وواقع حياتنا، فمن رأى في ذلك رأيا أصوب، غير الذي تورده الفقرات التالية، فما أحبّ إلى كاتبها سماعه والأخذ به. كما أنّ الهدف الأبعد من البحث هو إحياء قضية الجهر بالحق في واقع من يعتبرون أنفسهم عاملين للإسلام أكثر من سواهم، ممارسين للدعوة في حياتهم، فبيان هذه القضية كما يراها الإسلام يفرض أوّل ما يفرض الأخذَ بما يتوافر عليه الدليل وممارستَه في واقع حياة الداعية كفرد من المسلمين، بعلمائهم وعامّتهم وحكّامهم، ومنارُنا في ذلك اليقين بأنّه لا بدّ من تغيير الواقع الفاسد من الجذور، وإقامة الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي في عالمنا المعاصر، وبأنّه لا يتحقّق هذا التغيير الجذري الشامل من تلقاء نفسه، بل بالإقدام عليه أفرادا وجماعة، بالنوايا والأقوال والأفعال، راجين في ذلك ثواب الله ومرضاته، وناظرين فيه نظرة الرغبة في أن يعين بعضنا بعضا على الجهر بالحق كما أمر الله عزّ وجل، للغاية التي ترضيه وتحقق الخير لنا وللمسلمين في الدنيا والآخرة إن شاء الله، وباعتبار ذلك جزءا من الرسالة التي نحمل أمانة أدائها للبشرية جمعاء. ويرتبط الجانب الأهم في بيان قضية الجهر بالحق بقضية النهوض التي تنطوي على قيام الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي، ولهذا يأتي التركيز على ذلك في الفصل الأول من البحث. كما يطرح أيضا الجانبَ العملي للقضية السؤالُ عن دور العلماء ودور العامّة، وهذا موضوع الفصل الثاني، ثمّ يُطرح في الفصل الثالث السؤال: لماذا لا نجهر بالحقّ دائما؟.. راجين أن يعيننا الجواب على ذلك في الجواب على السؤال المطروح في الفصل الرابع: كيف نجهر بالحق؟.. مع استخلاص بعض المقاييس والمعايير.
الفصل الأول الجهر بالحق وقضية الحكم بين العلماء والحكام - بين العامّة والحكام - التبعية للظالمين
بين العلماء والحكام
واجب الجهر بالحق واجب شامل في الأصل لكافة الجوانب التي تشملها الدعوة إلى الخير، بعد أن ضُيّع المعروف إلا قليلا وشاع المنكر شيوعا كبيرا. وفي مقدّمة تلك الجوانب القضايا الجليلة، فكلّما عظم شأن الأمر الذي يحتاج إلى بيان، عظمت مسؤولية التبيين وعدم الكتمان، فكيف يكون الحال مع الأمر الذي يقول الله تعالى فيه: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} -المائدة: 50- وورد في الحديث عن ابن محجن قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (أخاف على أمّتي من بعدي ثلاثا، حيف الأئمّة، وإيمانا بالنجوم، وتكذيبا بالقدر)(1) وعن زياد بين حذير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال قلت لا، قال: يهدمه زلّة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمّة المضلّين)(2) إنّ وصول الفساد إلى الحكام، كوصوله إلى العلماء، يعني وصوله إلى عامّة الناس، وإذا أزيل على صعيد الحكام، وعلى صعيد العلماء، بدأ الطريق إلى إزالة الفساد المنتشر بين عامّة الناس فصلح الناس. ولكن هل يعني ذلك أنّ قضية الجهر بالحق يمكن أن تنحصر ما بين الحكام والعلماء كما يتردّد في كثير من الأحيان؟.. ينظر كثيرون اليوم في قول الله عزّ وجلّ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} -آل عمران:104- فيقولون: ذاك واجب كفائي عظيم، لا يمكن أداؤه إلاّ اعتمادا على قوّة السلطان المسلم، فالأمر والنهي يتطلّبان أن يتولاهما السلطان بسلطته. وفي هذا تعطيل خطير للواجب الكفائي العظيم، وإلاّ: - إذا ظلم الحكام أنفسهم والناس بالجور، وظلم العلماء أنفسهم والحكام والناس بالسكوت أو بالتبعية للظلم، ألا يأثم آنذاك جميع المسلمين بعلمائهم وحكامهم وعامّتهم، في حالة عدم قيام أحد بأداء هذا "الواجب الكفائي العظيم" سواءٌ من العلماء، أو العامّة؟.. - كيف يقوم حكم الإسلام بعد تعطيله، على فرض صحّة تعليق أداء هذا الواجب بوجوده، إذا انعدم العمل على الجهر بالحق في وجه حكم قائم على غير الإسلام، بغضّ النظر عن واجب التغيير العملي أيضا؟.. - وسؤال ثالث: أليس العمل على التغيير بالقول أو الفعل أو كليهما معا، هو بالذات الجواب المفروض الآن باعتباره الواجب الذي لا يتم واجب إقامة الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي إلاّ به؟.. بلى، لا سيما إذا قبلنا بالافتراض النظري القائل إنّ الأمر والنهي معلّقان بوجود ذلك الحكم، وهو افتراض غير مقبول، ولكنّه حجّة على من يقول به.
بين العامّة والحكام
نستطرد قليلا مع الواقع الراهن: أليس من المغالطات الرهيبة التي ننساق أو نُساق إليها في هذا المجال، الاعتقاد بسقوط واجب الجهر بالحق، كفائيا كان أم عينيا، لمجرّد الكلام عن بعض المنكرات دون أكبرها، ومن أكبر المنكرات الحكم بغير ما أنزل الله في بلد لا يشرك أهله بالله، أو لمجرّد الحث على بعض المعروف دون أجلّ أموره، ومن أجلّ صوره وأجمعها لجوانبه إقرار كلمة الله حياة وحكما في الأرض والخلق، فهي ضمان العدالة والشورى والحقوق والحريات؟.. وقد يتساءل متسائل: ألا يكفي الإنكار في القلب؟.. والسائل يستشهد غالبا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية (وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل)(3) ولا نسأل المتسائل: أرضيت أيها المؤمن بأضعف الإيمان؟.. ولا نسأله ايضا: الفاء المتكررة في الحديث استئنافية، تحدّد درجة التغيير المأمور به درجة بعد درجة، فهل عجزت فعلا عن التغيير باليد، ثم بالقول، حتى وصلت إلى الاكتفاء بمجرّد الإنكار في القلب؟.. ولا نخوض في الحديث عن حدّ الاستطاعة، ومسألة الاستكراه، بل نورد هنا نوعا من المنكر لا يكفي فيه مجرّد الإنكار في القلب، وهو في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (من رأى سلطانا جائرا، مستحلاّ لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقا على الله أن يدخله مدخله)(4)، أي مدخله من النار والعياذ بالله، فأين في الحديث ذكر إمكانية الاكتفاء بالإنكار في القلب في هذه الحالة؟.. أليس يذكر الحديث الأول المنكر بصفة عامة، ويخصّص هذا الحديث نوعا محدّدا من المنكر، فيخصص بالتالي الطريقة المفروضة للتغيير؟.. أمّا مسألة من يغيّر، وكيف، فهي موضوع الحديث لاحقا إن شاء الله.

التبعية للظالمين
على أنّنا نجد في عصرنا هذا ما هو أبعد خطرا من قضية الإنكار في القلب تبريرا لعدم العمل على التغيير بالقول أو الفعل، إنّنا نعاصر قضية التبعية للظالمين قولا وفعلا، والتي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها: (سيكون أمراء فسقة جورة، فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّي ولست منه، ولن يَرِدَ على الحوض)(5) أي لن تناله الشفاعة على الحوض، عندما تذلّ الأبصار والقلوب ويظهر شريط الأعمال مع النوايا يوم الساعة. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فد برئ من ذمّة الله وذمّة رسوله)(6) والعجيب بعد ذلك أن يستمرّ كثير من العلماء، بحكم مفهوم متعارف عليه، ومن العامّة بحكم الفساد المستشري، على إغفال حقيقة واجب الانتصار من الظلم أو التغافل عنها، وإغفال حقيقة أنه واجب يسري بالذات في وقت الظلم، وإلاّ فما معناه؟.. كأنّما يريد هؤلاء لعامّة المسلمين أن يعيشوا حتى تحين آجالهم المحتومة في دوّامة، أو حلقة مفرغة، لا مخرج منها: - الحكم الإسلامي كما يريد الله عز وجلّ لا وجود له.. عموما - الحاكمون مسلمون.. لقولهم لا إله إلا الله وإقامة الصلاة.. - لا يجوز إذن القيام عليهم بقول أو فعل.. - إذا قصّر العلماء فلا حرج على العامّة.. - ومن أراد الإنكار فليكتفِ بالإنكار في قلبه.. - ولتستمرّ إذن الأوضاع على حالها أو فلتزدْ سوءا ويأبى الله عزّ وجلّ أن تستمرّ هذه الأوضاع على حالها الرهيبة، وهو الذي يبيّن لنا المخرج من هذه الدوّامة المصطنعة وتلك الحلقة المفرغة المقصودة، فيقول تعالى في الآيات المنزّلة في مكة المكرّمة على طريق الإعداد لإقامة حكم الله في الأرض والخلق: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} -الشورى: 39- {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} -الشورى: 41- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} -العنكبوت: 69- ولا نبالغ إذا قلنا، إنّ جلّ ما نزل من القصص القرآني في العهد المكيّ خاصة، كان فيه التعليم للمسلمين أن يواجهوا الظلم والظالمين بكلمة الحق، والجهاد الحق، إلى أن يقوم حكم الله الحق، ثمّ تجب حمايته باستمرار الجهر بالحق وبغير ذلك من الوسائل. ومن أراد أن ينير الله قلبه فليقرأ سورة (هود) ولْيستخلص الدروس ليطبّقها، أو فليرجع -كأمثلة قليلة- إلى قصّة رجل ذكره الله تعالى في سورة (يس) وآخر ذكره تعالى في سورة (غافر) ولم يذكر اسميهما، وما كانا -حسب السياق القرآني من العلماء ولا الأنبياء- فلينظر القارئ كيف يجب الجهر بالحق في وجه الظلم والظالمين: {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى..} -مطلع الآية 20 حتى 32 من سورة يس- {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَه..} -مطلع الآية 28 حتى الآية 52 من سورة غافر- وهذا الطريق هو الطريق الذي يجب سلوكه في أداء الواجب الكفائي العظيم. أمّا أن نعلّق أداء الواجب بقيام حكم إسلامي وطيد الأركان، فذاك "الانتظار دون عمل" هو ما يريد أن يسوقنا إليه سوقا من لا يريدون قيام حكم إسلامي وطيد الأركان، بل ويحاربون ذلك سرّا وعلنا. لقد أرشد الله عزّ وجلّ إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند التمكين في الأرض فقال: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} -الحج:41- ولكن أرشد أيضا إلى أداء هذا الواجب قبل قيام الحكم الإسلامي والتمكين في الأرض فجعله جزءا من تكوين الفرد المسلم، والجماعة المسلمة القادرة على النهوض بأعباء الدعوة، فنقرأ في الآيات المنزلة في العهد المكيّ أيضا من وصية لقمان لابنه، تعليما للعصبة الأولى ولنا من بعدها، فردا فردا، بل وتعليما لها ولنا كيف تجب تنشئة الأجيال التالية على أداء هذا الواجب فردا فردا، فيقول عزّ وجلّ في وصية لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} - لقمان: 17- وعندما نتعلّم من القرآن العظيم كيف نمارس هذا الواجب في واقع حياتنا، في مواجهة الظلم والظالمين، بكلمة الحق والجهاد الحق، كجزء من تكوين أنفسنا على الإسلام، وكيف نربّي أبناءنا وبناتنا على الإسلام، وعلى ممارسة هذا الواجب من الواجبات الإسلامية كسواه في مواجهة الظلم والظالمين، يومذاك نكون فعلا على الطريق التي سار عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحبه الكرام لإقامة الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي، كما يريد الله عزّ وجل، ونكون -إن أخلصنا النيّة وصبرنا- ممّن يأذن الله لهم بإحدى الحسنيين ورضوان من الله أكبر.
ـــــــــــــــــــــــــــ هوامش (1)- حيف الأئمة: ظلمهم. رواه ابن عساكر-انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم 1127 وصحيح الجامع الصغير بتخريج الألباني رقم 212 (2)- رواه الدارمي، في "مشكاة المصابيح" بتحقيق الألباني الذي قال فيه: وإسناده صحيح، الحديث رقم 269 (3)- رواه مسلم (4)- في رواية للطبري وابن الأثير عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما (5)- رواه أحمد والنسائي والترمذي (6)- رواه الطبراني والأصبهاني
|